فإن قال : قد عرفت من الجمع العظيم ، الذين خبّروا عن التوحيد والنبوات ، أنهم قد اعتقدوا ما خبّروا عنه ، فأبطلت هذا القول .
قيل له : وكذلك فقد عرفنا أنهم يعتقدون ، وأنهم يسلكون طريقة الاستدلال الصحيح ، فعلمنا أنهم يعلمون ذلك ؛ لأن بهذا الطريق نعلم الفرق بين العلماء والمقلدة ، وإن كانا قد استويا في الاعتقاد .
/ فإن قال : هلّا قلتم إن الشرط فيهم أن يكونوا مخبرين عن الأمر الّذي من حقه أن يكون معلوما باضطرار ، ومدركا ، فلذلك لم يساو المكتسب الضروري فيه ؟
قيل له : فيجب أن يجوز ، في كل من خبّر عن البلدان والملوك وعن سائر الأمور ، أن يكونوا غير عالمين ، بل غير معتقدين لما خبّروا عنه .
فإن قال : لا بدّ من كونهم معتقدين ، ليصح أن يكونوا مخبرين .
قيل له : فيجب أن يجوز ألّا يكون عالمين بذلك البتة . فإن كان كذلك فلم صارت الأخبار تنتهى إلى المشاهدين للأمور ، دون من لم يشاهد ؟ ولم يختص أهل كل بلد وكل وقت بأن تعرف ، من قبلهم ، أخبار ذلك البلد وذلك الوقت ؟ وهذا يبطل ما سأل عنه .
ويجب ، على هذا القول ، ألّا يمتنع أن يعرف الإنسان الأمور من قبل الكهنة والمنجمين . ولئن جاز ذلك فمن أين أن العلم بالأمور الغائبة يدخل في باب المعجزات ، مع تجويز ذلك فيه ؟ لأنه لا يمتنع أن يفعل الإنسان ، في منزلة الأفعال المشاهدة ، وهو وحيد ، فيصدق المخمّن في الخبر عنه ، أو الجماعة في الخبر عن أحواله ، ويتكرر ذلك منهم ، فيقع العلم للسامع ، فيصير عالما بما يجرى مجرى الغيب ؛ وفي هذا ما ذكرناه من الفساد .
وبعد ، فليس يخلو حال المخبرين من أن يعتبر في وقوع العلم عند خبرهم ، أولا يعتبر ذلك فيهم . فإن لم يعتبر فمن أين أن العلم يقع عند خبر المخبرين ، دون أن يكون واقعا عند صورة الإخبار وإن لم يكن إخبارا ؟
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 357
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٣٥٧