قلنا لهم : إن ذلك لا يصح ؛ لأنه يوجب أن يشترط ، في دلالة الشيء على غيره ، انضمام المدلول إليه ؛ وذلك لا يصح ، كما لا يصحّ في سائر الأدلة ، فيجب أن تكون الدلالة على صدق الأنبياء هو المعجز فقط .
وبعد ، فإن الدلالة على صدقهم هو الواقع من قبله تعالى ، على طريق انتقاض العادة ؛ وذلك يخص المعجز ، دون نفس الدعوى التي تقع من الصادق والكاذب .
واعلم أن هذه الطريقة ربما تمرّ في كلام شيخنا « أبى عليّ » . فأما شيخنا « أبو هاشم » فإنه « 1 » يمتنع « 2 » من ذلك . ولذلك اعتمد على دلالة الإبانة ، وبيّن أن دلالة المعجز تخالف سائر الأدلّة ، وأنه ، لمّا دلّ من جهة الإبانة والتخصيص « 3 » ، وثبت أنه يبين من ظهر عليه من حيث كان نبيّا ، أنّه لا يجوز ظهوره على من ليس بنبي . ولو كان يمنع ذلك من حيث كان دلالة لم يكن لتعلقه بهذا الوجه فائدة .
والّذي ينبغي أن يعتمد في ذلك أن المعجز ، على ما قدّمناه ، إنما يدل على صدق النبي ، فيما ادّعاه من النبوة والرسالة ، بطريقة التماسه واستدعائه « 4 » إظهار ذلك ، للدلالة على صدقه . فيجب ألّا يجوز أن يظهر ، على هذا الحد ، إلا ويدل على النبوة . فأما إذا ظهر ، بخلاف هذا الوجه ، فلا يجب فيه ما قاله هذا المستدل .
يبين ذلك أنّ زيدا - إذا قال لعمرو : « أنا رسول خالد إليك » ، فطلب منه الدلالة ، فأقبل على خالد « 5 » ، وقال له : « إن كنت صادقا في أنى رسولك إلى عمرو فحرّك يدك ، أوضعها على رأسك » - أنه ، على هذا الحد ، يدل على كونه رسوله إليه ؛ ولا يجب ، في مثل ذلك الفعل إذا وقع ، لا على هذا الحد ، أن يكون دالّا / ، لأن وجه دلالته وقوعه على هذا الوجه ، وعند هذا الأمر المخصوص .
فإذا ثبتت هذه الجملة لم « 6 » يلزم من قال إنها تظهر على الصالحين ، أن يكون مبيّنا للدلالة في غير موضع ، وهي غير دالة ، وأن يكون قادحا في أعلام الأنبياء . ويفارق ذلك
هامش
( 1 ) في « ب » : « من أنه » .
( 2 ) هكذا في « ا » ، « ب » . ولعلها « يمنع » .
( 3 ) في « ب » : « التخصص » .
( 4 ) في « ا » ، « ب » : « استدعاه » .
( 5 ) في « ا » ، « ب » : « خلد » .
( 6 ) في « ب » : « بل » .