فإن قالوا : في إدامة تكليفهم فساد لغيرهم ، فلذلك يقطعه .
قيل لهم : ولم صار وجوب القطع لأجل صلاح الغير ، أولى من أن تجب التبعية لصلاحه .
فإن قالوا : إنه تعالى يمتحنهم في آخر التكليف ، بفعل يعظم ثوابه ، ويقوم مقام إدامة تكليفه .
قال في جواب ذلك : إن إدامة التكليف إذا لم تنحصر ، فغير جائز أن يبلغه ثواب الفعل الواحد ، أو المحنة الواحدة .
وقال رحمه اللّه : قد كان يجب أن يبقيهم أضعاف ما أبقاهم ، ثم يمتحنهم بتلك المحنة ، ليجتمع لهم ثواب الأمرين .
وبعد ، فإن كون الفعل مفسدة ، لا يرجع إلى جنسه ، فيجب أن يجوزوا في بعض المكلفين أن تبقيته لا تكون فسادا ، وتجويز ذلك يوجب تجويز القول بوجوب إدامة التكليف ، من غير غاية ونهاية ، لأنه ليس بعض الغايات بذلك أولى من بعض .
دليل آخر : وقد استدل شيخنا أبو عبد اللّه رحمه اللّه على هذه الطريقة ، بوجه آخر ، فقال : كان يجب أن يلزم أحدنا تعظيم من لا يستحق ذلك ، وشكره ومدحه ، لأن ذلك صلاح له ، وهذا يوجب كون القبيح واجبا .
فإن قال : لا يجب ذلك ، لأنه وإن كان أصلح ، ففعله مما يضره ، وتركه ينفعه .
فالجواب عن ذلك قد تقدم ، وأوردنا فيه وجوها . على أن حال الشكر والتعظيم لا يختلف فيما فيهما من المشقة ، بأن يكون مستحقا أو غير مستحق ، فلو
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 86
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٨٦