فإن قال : إذا تضادا لم يصح ذلك فيهما .
قيل له : إنا لم نلزمك أن يجبا على الجمع ، فقل بوجوبهما على البدل ، وقد علمنا أن ذلك في الفساد بمنزلة القول بوجوبهما على الجمع .
وبعد ، فإن القول بوجوبهما على البدل لا يتم لهم ، لأن بفعله لأحدهما ، لا بد من أن يقرن الصلاح الواقع بالآخر ، فليس يتأتى للعبد أن يستوفى كل مصالحه ، ويفارق ذلك ما نقوله في الكفارات وغيرها ، أن وجوبها على البدل ، لأن الوجه الّذي له وجب ، يحصل عندنا بالواحد ، حتى يخرج الآخر عند وجوده ، من أن تكون له صفة الواجب ، وليس كذلك ما قالوه ، لأن فعل الترك لا يخرج النفل لو وقع ، من أن يكون الغرض يقع به .
وقال رحمه اللّه في وجوب ذلك أيضا : لو كان الأمر كما قالوا ، لوجب ألّا يعد المستكثر من النافلة ، أفضل من المستكثر من تركها ، لأنهم قد سوّوا بين تركها وفعلها ، في أنهما صلاح ، وهذا بخلاف دين الرسول ، وإجماع الأمة .
فإن قالوا : إن تركها وإن كان فيه صلاح ، فليس يبلغ مبلغ ما في فعلها من الصلاح ، فلذلك صح ما ذكرتم .
قال رحمه اللّه في وجوب ذلك : فكان يجب أن تكون النافلة واجبة ، لما لها من المزية على تركها ، وأن يكون حالها مع تركها ، حال الواجب مع النفل .
وبعد ، فإذا كان في تركها عندهم صلاح ، فمن أين أنه دون الصلاح الّذي في فعلها ، في كل وقت ، وفي كل مكلف ؟ وهذا يوجب الشك في بعض الأوقات ، في بعض المكلفين ، حتى يجوز أن يكون تارك النافلة أفضل من فاعلها .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 84
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٨٤