قيل له : قد بينا أن مع ثبوت وجه الوجوب في الفعل ، يجب القول بأنه واجب ، ولا يؤثر في ذلك كونه قبيحا ، لو صح ذلك فيه ، وإنما نريد أن نطعن بما أوردناه في مذهب القوم ، فإذا أدى إلى وجوب القبيح ، وجب فساده ، وتخلّصهم من ذلك لا يمكن ، إلا بأن يثبتوا أن وجه الوجوب ليس بقائم فيه . وهذا مما لا يصح لما بيناه ، فلم يبق إلا أن هذا الوجه ليس بوجه لوجوب الفعل ، على ما نقوله في هذا الباب .
فإن قالوا : أليس من قولكم أن وجه الوجوب قد يكون حاصلا ، ولا يكون الفعل واجبا ، بل يقبح لثبوت وجه القبح فيه ؟
قيل له : قد بيّنا من قبل ، أن ذلك فاسد عندنا ، وبينا ما يتعلقون به من اللطف ، وأوضحنا الجواب عنه . وبيّنا أن كونه مفسدة يؤثر في كونه لطفا ، فيمنع من ثبوت وجه الوجوب فيه . وبينا أنه لا يمكنهم أن يلزمونا ذلك في الثواب ، الّذي نقول فيه إنه لا يجب أن يفعله تعالى ، في حال التكليف ، لأن ذلك يتأخر فعله ، ولا يسقط وجوبه . فوجه الوجوب لما كان ثابتا ، كان واجبا ، وإن تأخر . وكذلك القول في الحقوق التي تلزم في الشاهد ، أنه عند العارض قد يتأخر وجوب أدائه ، لا أنه يسقط ، مع بيان وجه الوجوب فيه .
فإن قال : إنما لا يجب ذلك ، لأن وجه القبح أولى بالاعتبار ، من وجه الوجوب ، كما يقولون في وجه الحسن والقبح ، إذا اجتمعا في الفعل .
قيل له : قد بينا من قبل ، أنه لا وجه يحسن الفعل له إلا سار إليه « 1 » ، فإنما صح ما نقوله في ذلك ، لما تضمن الحسن انتفاء وجوه القبح ، وليس كذلك الحال فيما ألزمناكم ، لأن وجه القبح لم ينف عن هذا الفعل وجه الوجوب . وقد بيّنا أن
هامش
( 1 ) في الأصل : لسار إليه ؛ ولعله تحريف عما أثبتناه .