في حكم المكلّفين ، فلا يجوز أن يدفعوا ما قلناه ، بمثل ما نقوله نحن في أهل الجنة .
فإن قالوا : إن ترك النافلة له صفة في الشاهد ، لها يكون صلاحا ، لا يحصل مثلها لأهل الجنة ، وهي أنه يروّح عن القلب والجسم ، فيتمكن العبد عند ذلك من العبادة ، ما لا يتمكن لولاه ، فلذلك صار صلاحا ، وجاز استحقاق الثواب به .
قيل له : كأنك تقول : إن أداء الفرض عنده يكون أسهل وأمكن ، وقد علمت أن ذلك كلما كان أشق فهو أصلح . وهذا يوجب ضدّ ما قاله ، لأنه ينقص مرتبة ما يفعله من الواجب لسهولته .
فإن قال : أردت بذلك أنه عنده يتمكن ، ولولاه لم يتمكن .
قيل له : قد علمنا أن فاعل النافلة في التمكن ، كتارك النافلة في أكثر الأحوال ، فلا يصح ما ذكرته ، ولو صح لكان إنما يصح في بعض المكلفين ، فيجب في غيرهم أن نقول : إن ترك النافلة لا يكون صلاحا فيه ، وفي ذلك إيجاب النفل ، على ما قدمناه .
وبعد ، فإن هذه الصفة إذا لم تخرج ترك النفل من أن يكون لا مشقة فيه البتة ، فكيف يصح أن يكون صلاحا ؟ وقد بينا أن ما هذا حاله لا يجوز أن يستحق به الثواب على وجه ، ولو جاز خلافه ، لجاز أن يقال في القبيح ، إذا كان هذا صفته ، إنه صلاح .
وقال شيخنا أبو هاشم رحمه اللّه في جواب ذلك : لو كان تركها صلاحا كفعلها ، لوجبا جميعا ، لما له ألزمناهم وجوب النافلة ، فكأنا ألزمناهم وجوب أمر واحد ، والتزموا وجوب أمرين ، قد ثبت في الفعل انتفاء وجوبهما .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 83
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٨٣