وبعد ، فإنما يجوز ذلك لورود السمع بما ذكرته ، لأن التفضل بإسقاط العقاب لا يعلم عقلا ، وإنما يعلم سمعا ، فأىّ سمع ورد بذلك ، ليتم لك ما قلته ؟
ويجب فيمن لا يعرف هذا السمع إن ادّعوا سمعا في ذلك ، أن يحسن في عقله ذم من لم يفعل النافلة ، كما يحسن ذلك في الواجب .
وبعد ، فلا فرق بين من ادعى في النفل ذلك ، وبين من قال في المباح :
إنه يستحق العقاب بألا يفعل ، لكنه سبحانه تفضل بإسقاطه ، وفساد ذلك بيّن .
على أنه يجب على هذا القول ، أن يجوز في بعض الأزمان ، أنه تعالى لم يتفضل على أهله بإسقاط عقوبة النفل ، فيكون في عقولهم النفل كالفرض ، وادعاء ذلك بمنزلة ما يقوله بعض المجبرة ، من أن في عقول : الحسن كالقبيح ، والإحسان كالإساءة ؛ على أنه لا يخلو إسقاط العقاب ، من أن يكون قد أخرج الفعل من أن يكون واجبا ، أو لم يؤثر في وجوبه ، فإن أخرجه من كونه واجبا ، فيجب أن يجوز منه تعالى أن يسقط عقوبة الواجبات ، فيخرج من أن يكون واجبا / وأن يجوز في كثير من المكلفين ، ألا يجب عليهم فعل بتّة ، على وجه .
وبعد ، فمتى خرج من كونه واجبا ، فلا عقاب فيه ، حتى يقال إنه يسقط ؛ وهذا القول يؤدى إلى تعلق وجوبه بألا يسقط عقابه ، وتعلق ثبوت العقاب الّذي يسقط بوجوبه ، وهذا محال .
وإن قال : إن إسقاط العقاب لا يخرجه من أن يكون واجبا ، فالكلام لازم لهم ، ولا قدح لهم فيما أوردوه ؛ وكذلك الكلام عليهم متى قالوا : إنما خرج النفل من أن يكون واجبا ، لأنه تعالى وعد بإسقاط عقابه ، أو حكم بذلك ، أو أخبر به .
فإن قالوا : إنما قلنا ذلك ، لأن الإخلال به بمنزلة الصغائر المغفورة ، وليس كذلك الإخلال بالواجبات .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 80
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٨٠