تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 77

مساهمون:

ص٧٧
ذلك ، وبين من يوجب بذل الكسوة ، وسائر ما يتعلق بشهوات ذلك الجائع ، ولا فرق بين من يوجب بذله لجائع واحد ، أو لأهل بلد لحقهم قحط وبؤس وشدة ، لاتفاق حالهم فيما يقتضي معونتهم ، وبطلان ذلك ظاهر . فإن قال : قد علمنا أن الواحد منا يقبح منه أن يمنع غيره من الاستظلال بظل داره ، أو تناول ما رماه من فضالة مأكوله ، أو التقاط الحب الساقط من زرعه بعد الفراغ من حصده ، إلى غير ذلك ، وإنما يقبح ذلك ، لأن ذلك الانتفاع من الغير لا يضره ، ومنعه لا ينفعه ، فإذا كان تعالى بهذه الصفة في سائر ما يخلق من منافع العباد ، فيجب أن تكون واجبة عليه . قيل له : إن الّذي يقبح لأجله من العبد المنع ، مما سألت عنه ، هو لأنه عيب لا فائدة فيه ، ولو كان له فيه فائدة لحسن المنع ، وإن كانت العلة التي ذكرتها قائمة . وهكذا نقول فيما خلقه اللّه تعالى ، مما يصح الانتفاع به ، إنه لا يحسن منه أن يمنع العباد من الانتفاع به ، لأنه يكون عابثا بذلك ، تعالى اللّه عنه ، وإنما يحسن منه المنع إذا كان للغير فيه مصلحة ، فيخرج عن كونه عبثا ؛ ولهذه الجملة قلنا فيما خلقه تعالى من المنافع ، إنها على الإباحة ، إلا أن يرد السمع فيها بالحظر . وليس هذا الموضع مما يشاكل الخلاف بيننا وبين القوم ، لأنهم يقولون بوجوب ابتداء المنافع ، ولم يثبت في الشاهد أنه يجب على العبد أن ينفع غيره ، على الوجه الّذي تعلق به . يبين ذلك ، أنه وإن قبح من أحدنا ما ذكروه من المنع ، فغير واجب عليه أن يبنى ما يستظل به ، ويركب في الحائط المرآة لينظر فيها ، أو يزرع ويحصد ، لكن يسقط عنه من الفضل ما يلقطه الفقير ، إلى غير ذلك ، فقد فصل العقل بين المنع ممن هذا حاله ، وبين ابتداء فعله ، وفي ذلك إسقاط تعلقهم بهذه الطريقة .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 77 | القاضي عبد الجبار الهمذاني