ولا فرق بين ما أجبنا به عن المسألة ، وبينها إذ سألوا عنها على هذا الوجه ، فزادوا في شرحها ، بأن كثروا من صفات الغنى ، وكثرة ماله ، وكثّروا من وصف الفقير المحتاج المضطر ، لأن الحال في الجواب لا يتغير . ومتى قالوا : إن القديم تعالى أعلم الغنىّ أن الّذي يحتوى عليه من المكلّف ، يكفيه طول عمره في قضاء أوطاره أجمع ، بل يكفيه ويكفى أهل بلده ، ثم شاهد هذا المضطرّ وقد علم أنه إن لم يسقه ولم يطعمه ، يمت في وقته ، أكنتم تقولون إن البذل لا يجب عليه ؟
فمن جوابنا أن هذه المسألة غير معلومة ، لأنا لا نعلم أحدا في العقل هذه صفته ، فلا يصح التعلق بها ، ولو ثبت أنها معلومة ، لكان جوابنا ألا يخلوا حال هذا الغنى مع هذه الصفات من / أمرين : إما ألا يغتم بما عليه المضطر البتة ، فغير واجب عليه أن يبذل له الطعام والشراب ، أو يغتم بذلك ، فيلزمه لدفع الضرر . ولو أن قالبا قلب عليهم الكلام ، فقال لهم : لو أن القديم تعالى عرف الفقير الّذي يجد قوت يومه ، مع هذه الزيادة التي يبذلها للمضطر ، أنه يكفيه طول عمره ما يحتاج إليه ، بأن يرزقه حالا بعد حال ، وشاهد هذا المضطرّ ، أكان يجب أن يواسيه ، فإن قال : لا يجب ذلك ، لزمه أن يتهم تدبير القديم تعالى ، ولا يثق بوعده ، وجاز لنا أن نقول بمثل ذلك في الغنى الموسر الّذي وصف حاله ، ومتى قال إنه يلزمه ، قلنا له : فيجب على قضيتك أن يكون الفقير كالغنى في هذا الباب ، ومن تضره العطية بمنزلة من لا تضره .
دليل آخر :
وقد استدل شيخنا أبو هاشم رحمه اللّه بوجه آخر ، على هذه الطريقة ، فقال :
لو وجب عليه تعالى فعل الصلاح والأصلح على الوصف الّذي ذكرنا ، لوجب
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 78
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٧٨