فإن قالوا بنفي وجوبه ، أبطلوا حكم الشاهد ، وإن قالوا بوجوبه ، أبطلوا ما أوردوه الآن .
على أن جميع ذلك إنما يصح تعلقهم به لو سلمنا لهم الحكم ، لأن علة الحكم ، إنما يتكلم فيها مع تسليم الحكم ، ونحن في ذلك نخالف ونقول فيمن هذا حاله :
إنه لا يجب عليه البذل إلا عند أمر عارض ، وهو أن يغتمّ بما يشاهد من حال الجائع العطشان ، فيلزمه ذلك تحررا من المضرة التي لحقته ، ويجب ذلك من جهة السمع ، لأنه لطف ، كما نقول بوجوب الصلاة وغيرها ، فإما أن يجب لما ذكروه فيعتد ، وصار حاله وإن لم يعتد بالمضرة ، كحال من يعتد بها عندنا في / هذا الباب ، وفي ذلك إسقاط السؤال .
فإن قيل : فإنا ندّعى في ذلك ضرورة الفعل ، ولا نفكر في مخالفتكم .
قيل له : لا دلالة آكد في بطلان قولكم ، من ادعاء الضرورة علينا ، في أمر يعلم خلافه . على أن ادعاء الضرورة في علة الحكم لا تصح ، على ما بيناه من قبل ، لأن كل حكم نعلمه باضطرار ، فلا بد في معرفة علته من الاكتساب ، فإذا صح ذلك ، لم يمكنهم أن يدعوا إلا أن هذا الفعل واجب ، فمن أين أنه يجب من جهة الفعل ؟ ولأن البذل لا يضره ، والمنع لا ينفعه ، دون أن يقول : إن ذلك واجب سمعا .
فإن قال من لا يقر بالسمع من أهل العقول : نعلم وجوب ذلك .
قيل له : في هذا نخالف ، ولا فرق بين من ادعى وجوب ذلك في المكثر ، أو ادعاه في المتوسط ، أو الفقير الّذي لا يحتاج في البذل إلى ما يبذل ، لأن العقل لا يفصل بين الجميع في ذلك ، ولا فرق بين من يقول بوجوب بذل ذلك للإنسان المحتاج ، أو بوجوبه للبهيمة ، أو لبعض الحيوان ، ولا فرق بين من يوجب بذل
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 76
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٧٦