تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 74

مساهمون:

ص٧٤
فهو أولى بالوجوب ، فكانت المشقة تدخله في كونه أنفع ، فيجب أن يقتضي تأكيد وجوبه / فإن قالوا : ألستم تقولون فيه تعالى إنه يجب أن يلطف « 1 » العبد في فعل ما كلّفه ، لأنه لا تجوز عليه المضار ، وليس كذلك أحدنا ، لأنه لا يلزمه اللّطف ، للمشقة التي تلحق ، ولذلك قلتم : إن المولى إذا استسقى غلامه ، وعلم أنه لا يطيع إلا بأن يبذل له شطر ماله ، إن ذلك لا يجب عليه ، لأجل المضرة ، فكيف أنكرتم علينا ما ذكرناه ؟ قيل له : إنا لا نوجب اللّطف « 2 » إلّا على المكلّف . ونوجبه على شرائط مخصوصة ، ذكرناها في باب اللّطف ، فلذلك لا يلزم العبد أن يلطف لغيره ، فأما ما ذكرتموه في المولى ، فإنما لا يلزمه لا لأنه يضره ، لأنه لو استسقاه وهو خائف على نفسه التلف إن لم يسقه ، لوجب عليه بذل شطر ماله ، لا بل كل ماله . فالمضرة قائمة ، وإنما توجب عليه ذلك مع السلامة ، لأنه استجلاب نفع ، يستر ضررا عظيما ، وهذا مما لا يحسن ، وليس كذلك ما ذكرتموه ، لأنكم عولتم في التفرقة على زوال المضرة في الغائب ، وثبوتها في الشاهد . وقد بينا أن ذلك لا يوجب التفرقة بين الغائب والشاهد في وجوب الفعل ، لأن المضرة بأن يكون لها حظ في وجوب الفعل ، أولى من أن يكون لها حظ في إسقاط وجوبه . فإن قال : أليس المتقرر في العقول أن المكثر منا ، الّذي لا يكاد يحصى ملكه وماله ، كثرة ووفورا ، يلزمه إذا علم أن جاره عطشان ، أن يترك له الطعام والشراب ، لأن ذلك لا يضره والحال هذه ، فلو كان بخلاف هذه الصفة لم يلزمه
هامش
( 1 ) أي يوقفه ويعصمه . وهو من ألطفت فلانا : إذا أتحفته وبررته بهدية ونحوها . ( 2 ) اللطف بالتحريك في اصطلاح المعتزلة : ما يختار المكلف عنده الطاعة : تركا وإتيانا . ( انظر كليات أبى البقاء ) .