وما هذا حاله لا يجوز أن يجعل وجها لوجوبه ، كما لا يجوز أن يجعل وجه قبح الفعل منا ، أنا مملوكون ، ووجه حسنه من اللّه تعالى أنه مالك ، على ما تقوله المجبرة ، وإنما يجب أن يثبت في وجه الوجوب ، ما يبين به بعض الأفعال من بعض ، وفي ذلك إسقاط ما سأل عنه .
وبيان ما قاله شيوخنا رحمهم اللّه في ذلك : أنهم قالوا في جواب هذا السؤال إن ذلك ضمّ منكم لما ليس بعلة ، إلى ما هو علة ، وهو بمنزلة قول القائل : إن الجسم أيضا صار متحركا لصحة تحريكه وللحركة ، أو لوجوده وللحركة ، إلى غير ذلك ، فكما أن ما هذا سبيله مطّرح ، فكذلك القول فيما ذكرتم .
وبعد ، فإن التفرقة التي ذكروها لو صحت لوجب منها ألا يلزم أحدنا قضاء الدين ، لأنها عطية تضره ، ولو منع ذلك لكان ينفعه ، فلما كان ذلك غير مؤثر في وجوبه ، ولم يجز أن يجعل تفرقة بيننا وبينه تعالى ، فيقال : إن الثواب يجب عليه ، لأنه لا يضره فعله ، ولا ينفعه منعه ، وليس كذلك قضاء الدين ، فكذلك لا يجوز أن يجعل تفرقة فيما ذكرناه .
وبعد ، فقد صح أن المضرة والمشقة بأن يقتضيا وجوب الفعل ، أولى من أن تؤثرا في وجوبه ، ألا ترى أن كل ما نشتهيه لا يجب علينا ، ويجب علينا ما يضر ويشق ، فصارت المضرة جهة لوجوب الفعل عليه ، فكيف يصح لهم أن يجعلوها مسقطة للوجوب ، ومؤثرة فيه .
وبعد ، فقد ثبت في العبارات ، أن المشقة إذا كان فيها أكثر ، فهي أدخل في الوجوب ، فكيف يقال إن من حق المشقة أن تخرج الفعل عن الوجوب ؟
وبعد ، فقد علمنا أن المشقة التي في الفعل ، تصير الفعل أنفع ، لأن الثواب المستحق عليه يصير أكثر ، فإذن كان من أصل القوم أن الفعل إذا كان أنفع ،
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 73
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٧٣