الباب . ولا فرق بينك وبينهم إذا قالوا إنه تعالى يفعل القبائح ، ويستحق المدح ، ونحن نستحق عليها الذم ، فلما بطلت هذه الطريقة ، لأن أقسام الأفعال وأحكامها لا يختلفان باختلاف أحوال الفاعلين ، فكذلك ما ذكرناه .
فإن قال : ألستم تقولون إن المباح يستحيل دخوله في أفعاله تعالى ، وإن صح دخوله في أقسام أفعالنا ، أفلا جاز مثله في التفضل ؟
قيل له : إن المعتبر بالمعاني دون العبارات ، ومثل المباح قد يدخل في فعله ، لأنه إذا عاقب في الآخرة فهو حسن ، ولا صفة له زائدة على حسنه ، فقد جاز دخوله في فعله سبحانه ، فيجب أن يجوز مثله في التفضل ، فذلك مبعد عليك في المعنى ، لأنك لا تثبت نفعا واصلا من جهته تعالى إلى أحد ، إلا وتقول بوجوبه .
وبعد ، فلو لم يثبت في أفعاله المباح ، لم يتوجه إلينا هذا الكلام ، لا ما يثبته مقدورا له ، كما تثبت القبائح مقدورة له تعالى ، وإن تعالى عن فعلها ، لكونه حكيما . وليس كذلك حال القوم ، كأنهم على ما ألزمناهم ، لا يثبتون في مقدوره التفضل ، لأن ما يصح كونه تفضلا من المنافع الموصلة إلى الغير ، هو واجب لا محالة ، ولا يجوز ، وكان لا يجوز إلا كذلك ، وهذا يوجب نفى هذا القسم عن فعله تعالى ، وعن مقدوراته ، ولو جاز ذلك لجاز مثله في أجناس الأفعال وضروبها ، حتى يقال في بعضها إنه تعالى لا يوصف بالقدرة عليه ، وإن صح على القادر منها أن يفعله .
يبين ذلك أن الواحد منا في العطية الواحدة ، يصح أن يفعلها تفضلا ، ويفعلها واجبة ، ويختلف حاله في ذلك بالقصد ، فصارت في أنها نفع على وجهين بالقصد ، بمنزلة الخير الّذي يجوز / أن يقع بالقصد على وجه ، فكما لا يصح فيما هذا حاله ، 31 /
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 71
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٧١