تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 70

مساهمون:

ص٧٠
ويبيّن أنه إنما يستحق إذا كان فاعلها متفضلا بها ، على الطريقة التي ذكرناها ، فلو كان ما يفعله تعالى بعباده هذا حاله ، لوجب ألّا يستحق الشكر ، فإن التزم ملتزم ذلك ، قيل له : إذا لم يستحق الشكر ، فبأن لا يستحق العبادة أولى ، لأن استحقاق العبادة هو بمكان النعمة العظيمة ، على ما بيناه من قبل ، متى لم يستحق على يسيرها الشكر ، لم يجز أن يستحق العبادة على العظيم منها . دليل آخر : وقد استدل شيخنا أبو هاشم رحمه اللّه على ذلك بوجه آخر يقارب ما قدمناه ، وهو أن التفضل في أنه معقول في الأفعال ، بمنزلة الواجب ، وبمنزلة القبيح والمباح ، فإذا صح ذلك لم يجز ألّا يثبت هذا القسم في أفعاله تعالى . وعلى قولهم يجب في كل ما يفعله سبحانه من هذا الباب ، دخوله في أنه واجب ، وذلك بما قلناه ، ألا ترى أن الواحد منا لما صح أن يفعل الواجب ، صح أن يفعل التفضل ، والقديم تعالى في كونه قادرا تزيد حاله على حال الواحد منا ، فبأن يصح منه أن يتفضل أولى ، وليس يمكنكم دفع التفضل في أقسام الأفعال ، لأن ذلك مما يعلم باضطرار في الشاهد ، كما يعلم أن فيما يفعله الإنسان في نفسه ما يكون واجبا عليها ، وفيها ما هو ندب ، فكذلك فيما يوصل إلى الغير ، فيه واجب وتفضل ، وإذا صح دخوله في فعلنا ، صح دخوله في فعله تعالى . فإن قال : إنما صح ذلك علينا ، لأن الواحد منا تلحقه المضرة بالعطية ، وينتفع بالمنع ، وليس كذلك حاله تعالى ، فصار جميع ما يفعله من خير الواجب لهذه العلة . قيل له : إن اختلاف الفاعلين لا يؤثر في صحة هذه الأقسام منهم ، فلا فرق بينك إذا تعلقت بهذا الكلام وبين المجبرة إذا قالت : إن كون القبيح قبيحا من اللّه تعالى مستحيل . وإن صح منا ، لأنه رب مالك ، إلى سائر ما يذكر في هذا
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 70 | القاضي عبد الجبار الهمذاني