ألّا يستحق الشكر ، وقد علمنا أنه قد يستحق ذلك ممن يعطيه .
قيل له : إنه لا يستحق الشكر على نفس العطية والدفع ، وإنما يستحقه على إيثار عين على عين ، لأنه قد كان يجوز أن يتصدق به على غيره من الفقراء ، فوضعه فيه خاصة بمنزلة التفضل ، فيجوز أن يستحق الشكر على هذا القدر ، وذلك لا يتأتى للقوم ، لأن عندهم أن الأصلح واجب لكل أحد ، فلا يصح فيه طريقة الإحسان .
فإن قالوا : أليس الغنى المكثر يستحق الشكر على أن يسقى غيره شربة من ماء ، فإن كان ذلك واجبا عليه ، ولا يستحق ذلك على قضاء الدين ، فهلا جوزتم ما نقوله في الأصلح ؟
قيل له : إن الّذي جعلته أصلا فيه نخالف ونقول إنه متفضل به ، فلذلك استحق الشكر عليه ، وإذا كان الخلاف فيه كالخلاف في الأصلح ، فلا تعلق لك به . ولذلك نقول إنه لو لزمه بذل هذا الماء ، من جهة غم يلحق على عطش من سقاه ، لم يستحق الشكر ، كما لا يستحقه على قضاء الدين . ولذلك نقول إن ما يفعله الإنسان بولده من جهة سرور يلحقه ، أو غم ينصرف عنه ، لا يستحق به الشكر ، لأن ذلك واجب عليه ، لأجل دفع الضرر .
يبين صحة ما اعتمدناه : أنه إذا وجب عليه إيصال العطية إلى غيره / صار ذلك من حقوقه ، حتى لو كف عنه لكان لصاحب الحق تناوله ، وما هذا حاله لا يجوز أن يستحق به الشكر ، لأنه لو جاز ذلك فيه ، لجاز أن يستحق الغاصب الشكر ، على رب العين القائمة ، فلما بطل ذلك ، وعلم أن بذل العين كالعين ، لاتفاقهما في الوجوب ، ثبت أن استحقاق الشكر ينافي كون العطية حقا للمعطى .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 69
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٦٩