كذلك ما قالوه ، لأنا قد بينا أنه لا بد من أن يكون لما لم يفعله تعالى ، حكم ما قد فعله على مذهبهم ، فيجب أن يفعل الجميع ، أو إن لم يفعل إلا قدرا مخصوصا منه ، أن يلزم ما ذكرناه من وجوه الفساد .
واعلم أن هذه المسألة إنما يجوز أن تسأل عنها على طريقة التقدير : بأن يقول قائل : لو علم تعالى من حال بعض المكلفين ، أنه لا يؤمن حتى يفعل تعالى ما لا نهاية له ، ما الحكم فيه ؟ أتقولون إنه لا يحسن أن يكلفه ، من حيث لا يصح دخول ما هو لطيف له في الوجود ، أو تقولون يحسن أن يكلفه ، ويكون بمنزلة من لا لطف له ؟ أو تقولون إن المسألة مستحيلة ، لأنه لا يجوز فيما هذا حاله أن يكون لطفا ؛ وقد بينا القول في ذلك في باب اللّطف ، وأن الصحيح من ذلك ، أنه بمنزلة من لا لطف له ، لاستحالة دخول ذلك في الوقوع ، وخروجه من أن يكون مقدورا إيجاده على وجه يكون لطفا ؛ فتفسيره يقتضي أنه لا لطف له ، فيحسن منه أن يكلفه .
وبعد ، فلو قال قائل : إنه تعالى لا يحسن أن يكلفه ، على ما يذهب إليه شيخنا أبو عبد اللّه رحمه اللّه ، في ذلك ، لم تكن المسألة لازمة ، لأنا لم نقل بأن التكليف يحصل ، وهذا اللطف يجب ، بل قد نفينا وجوبه ، من حيث يتعلق وجوبه بتكليف لم يحصل ، ولا يمكن أن يتعلق القوم بمثله ، لأن الصلاح الواجب لا تعلق له بغيره ، فيقال : إن الّذي لم يفعله تعالى لا يكون واجبا ، بأن لم يوجد سبب وجوده ، فالكلام لازم لهم .
فإن قيل : إن الّذي لم يفعله تعالى نقول فيه إنه لا يجب ، من حيث يؤدى إلى فساد ، كأنه تعالى قد علم فيما لم يفعل من الأصلح ، أنه لو فعله لأدى إلى أن يكفر قوم لولاه لآمنوا / وما حل هذا المحل لا يكون صلاحا وأصلح ، فقد ميزنا بين ما فعله وبين ما لم يفعله ، فأثبتنا لما فعله وجه الوجوب ، دون ما لم يفعله ،
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 62
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٦٢