وبعد ، فإن اللذة وإن لم تكن معنى سوى ما يدركه الحي ، فقد علمنا أن ما يلتذ به من المدركات معان معقولة ، فيجب أن يفعل تعالى من ذلك ما لا نهاية له ، على ما بيناه .
وبعد ، فإن اللذة وإن لم تكن معنى ، فالشهوة التي لها يلتذ الملتذ ، معان معقولة ، ويزداد التذاذه بزيادتها ، وينقص بنقصانها ، فيجب لو كان ما ذكروه واجبا ، أن يفعل من الشهوة والمشتهى ما لا نهاية له ، حتى يكون التذاذ العبد أقوى .
فإن قال : ومن أين أن الشهوة يصح أن يوجد منها في قلب العبد ما لا ينحصر ؟
قيل له : لأنها في نوعها لا تحتاج إلا إلى الحياة وتنبه القلب كالاعتقادات ، فإذا صح ذلك ، فيجب ألّا ينحصر ما يصح « 1 » وجوده منها .
فإن قال : أليس عندكم أن القدرة وإن كانت لا تحتاج إلا إلى وجود الحكمة ، فالذي يصح أن يوجد منها محصور العدد ، فهلا قلتم بمثله في الشهوة ؟
قيل له : لأن القدرة تحتاج مع الحياة إلى صلابة وتأليف زائد ، من حيث علمنا أن التخلخل في محلها يوجب انتقاصها ، على ما نعلمه من حال التعب بالمشي الكثير ، وليس كذلك حال الشهوة ، ولأنه لم يثبت أن هذه الأحوال تؤثر فيها ، فهي كالاعتقادات فيما ذكرناه .
فإن قال : إذا كان التأليف الزائد مقدورا له تعالى ، فيجب أن يصح أن يوجد منها ما لا ينحصر .
هامش
( 1 ) في الأصل : ( ما لا يصح ) والسياق يأبى وجود ( لا ) .