واعلم أن من حق المعاني التي تعرف بالأدلة ، ألّا تعتبر فيها العبارة ، وربما اعتمد القوم في وجوب الأصلح على عبارات يذكرونها سوى ما نذكره ، فيجب أن يوافقونا على المراد ، ثم نبين أن ذلك لا يقتضي وجوب ما ذكروه ، وكذلك فربما تعلقوا في الدلالة على مذاهبهم ، على ذكر أمثلة في الشاهد ، فمنها ما يدّعون وجوده ، ومعلوم من حاله أنه لا يوجد ، بل هو محال ؛ ومنها ما يوجد ولا يتعلق به الحكم الّذي يدّعون ثبوته ، وربما خلطوا السمعيات بالعقليات في هذا الباب ، الّذي من حقه ألّا يعتمد فيه إلا على أدلة العقول . فيجب أن تشتد العناية بموافقتهم في هذه الأمثلة ، وربما ذكروا وجوب الأفعال لا يعطونها حقيقة الوجوب ، بل يرجعون فيه إلى معنى التفضل ، وما يحصل من المزية للمتفضل / على غيره ، أو للمكثر من الجود والإفضال على المقال « 1 » منهما . فهذا الباب يجب أن يحتاط فيه ، لأن مكالمتهم فيه كالعبث ، إذ لا خلاف فيما يفعله تعالى من الأصلح في غير باب الدين ، أنه بهذه الصفة ، وربما استدلوا على قولهم بإطلاق لفظة الوجوب ، من غير ثبوت حقيقته ، وعلى تعذر ذلك ، لأنه لا معتبر بالعبارات في هذا الباب . وذلك نحو ما قاله شيخنا أبو القاسم البلخي رحمه اللّه ، عند استدلاله عن وجوب الأصلح ، بأن للغنى الموسر العالم بشدة حاجة جاره إلى شربة من ماء ، ولا ضرر عليه في أن يجود به : إن العقلاء يقولون بوجوبه . فلما قال له شيوخنا : إنه لا يمتنع أن يقال في ذلك إنه واجب ، كما يقول أحدنا لصاحبه : يجب عليك أن تتفضل بما سألتك ، إلى غير ذلك . أجاب بأن قال : قد سلمتم لي أنه واجب ، ثم ادّعيتم ما ينقضه .
وهذا من بعيد ما يتعلق به ، لأنهم رحمهم اللّه سلّموا إطلاق اللفظ ، فظن أنهم سلموا المعنى ، ثم تكلم عليه .
هامش
( 1 ) ( على المقال ) : كذا في الأصل ، ولا ندري بم يتعلق الجار والمجرور ؟