اللّه : إن من يصنع الطعام الكثير ، وشق عليه أن يؤكل منه ، إنما يوصف بأنه بخيل ، من حيث إذا عرف منه ظهور الكراهة لتناول طعامه ، واشتهر ذلك من حاله ، قبض الجميع عن أكل طعامه ، فعادت الحال فيه ، إلى أنه بمنزلة من لم يصنع الطعام ليؤكل ، فلذلك يوصف بأنه بخيل ، وكذلك متى ظهرت منه الكراهة لواحد مخصوص لا على هذا الوجه ، لم يوصف بذلك . وبين أن من يؤثر غيره على نفسه بالطعام ، لا يوصف بأنه بخيل ، وإن شق عليه وضاق صدره ، بل متى اعتقدوا فيه أن المشقة أكثر ، والصدر بما فعله أضيق ، كان زوال هذا الاسم عنه « 1 » قويّا ، وكل ذلك يبين فساد هذا القول .
واعلم أن قولنا ( بخيل ) ، لو سلمنا أنه اسم لم يمنع التفضل ، لم يؤثر ذلك في صحة ما نقوله في الأصلح ، ولا حصل لأصحاب الأصلح في ذلك قدح « 2 » لأنهم ربما تعلّقوا بأن الكثير المال ، العالم بأن في جيرانه وأقاربه من اشتدت به الحاجة ، وأن القدر يبذله لهم لا يؤثر في حاله ويساره ، فالمعلوم من حاله أنه يوصف متى لم يفعل ذلك بأنه بخيل ، وذلك يبين وجوب ذلك عليه . فجوابنا عند ذلك : بأن العقلاء أجمع إن وصفوه بذلك ، وسلّم ما ادعيته من هذا الوصف الواقع منهم ، فليس يخلو حالهم من أن يكونوا علموا أنه يستحق الذم ، أو لم يعلموا ذلك ، فإن علموه لم يخل علمهم به من أن يكون ضروريا أو مكتسبا ، فإن كان ضروريا ، فيجب أن نشركهم ، وأن نكون بالمخالفة في هذه المسألة معاندين ؛ وإن كان مكتسبا ، فيجب أن نبين الدليل عليه ، ولا نتعلق باللفظ الّذي حكيتموه . وإن كانوا يصفونه بأنه بخيل ، من دون علم حاصل لهم بما ذكرناه ، فلا حجة علينا فيه ، لأن الاعتقادات قد تكون جهلا ، فلعلهم اعتقدوا اعتقاد جهل ، فوصفوه
هامش
( 1 ) في الأصل : ( له ) . ولم يتضح لنا مرجع الضمير . أما مرجع الضمير في ( عنه ) فهو البخيل .
( 2 ) في الأصل : ( قرح ) والكلمة غير منقوطة . وقد أثبتنا ما نراه لائقا بالمقام .