وإن أردت بذلك أنه متى لم يفعل ، لا يستحق من المدح ، ما يستحقه من يفعل الجود والإفضال ، وهذا لا يوجب وصفه بأنه بخيل ، ولا يصح أيضا أن يوصف بأنه ناقص مقصر ، لأنه لو استحق ذلك بألّا يفعل التفضل ، لوجب فيمن جاد بأكثر ماله ألّا يتخلص من الوصف بأنه ناقص مقصر .
وبعد ، فإن وصفه بأنه مقصّر في أنه يقتضي الذم ، كوصفه بأنه بخيل ، فكيف يجوز أن يجعل قدحا فيه ؟
يبين ذلك قولهم : حق اللّه بين الغالي والمقصّر ، فذموا التقصير ، كما ذموا الغلوّ ، وذلك يدل على أنه يقتضي الذم كما يقتضيه وصف البخيل بأنه بخيل .
فإن قال : فيجب على هذا القول ، أن يصح خروج القادر المتمكن من الإفضال ، من أن يكون جوادا وبخيلا ، وقد علمنا أنهم يجرون هاتين الصفتين مجرى ما لا ثالث لهما .
قيل له : قد يخرج عندنا عنهما إلى أن يكون مقتصدا ، فلا يكون مانعا للواجبات من الحقوق ، فيكون بخيلا ، ولا مكثرا من فعل الجود والإفضال ، فيكون جوادا ، بل يسلك طريقة بينهما ، فإن جاد جاد بالقليل ، ووفر ما عليه من الحقوق ، وهذه الصفة معقولة ، كما عقلنا الصفتين اللتين ذكرهما ، فلا يمتنع أن نقيدها بقولنا إنه مقتصد ، فقولنا مقتصد يفيد ما ذكرناه ، فالاقتصاد إذا كان فعلا فهو الّذي يتضمن العدول عن الإكثار من الجود والإفضال ، وعن منع الحقوق .
فإن قال : هلا قلتم إن البخيل هو الضيق الصدر في باب العطاء ، دون مانع الحق ، وأن يكون منعه لذلك يدل على ضيق الصدر ، فلذلك يوصف بهذه الصفة عنده .
قيل له : ما قدمناه في الجواد يفسد هذا القول . وقد قال شيخنا أبو هاشم رحمه
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 51
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٥١