فأجاب عن ذلك بأن ذلك يوجب تناهى هذا الحسن من مقدوره ، وبين أنه لا يمكن أن يقطع على كل ما لم يفعله أنه فساد ، وفي ذلك إبطال ما سأل عنه .
وبعد ، فقد علمنا أنه تعالى بما فعله من الجود والإفضال بالعرب دون العجم ، يستحق أن يوصف بأنه جواد ، ولو كان الأمر كما قالوا لوجب أن لا يستحق هذا الاسم إلّا من جميع ما فعله بجميع الخلق ، واللغة تشهد بخلافه .
وبعد ، فإن القوم يعوّلون في وجوب « 1 » الأصلح على استحقاق هذه اللفظة ، لأنهم يقولون : لو لم يفعل الأصلح لم يكن جوادا ، وإذا لم يكن كذلك ، وجب كونه بخيلا ، وذلك ذم ، فتوصلوا بهذه الطريقة إلى وجوب الأصلح ، فلا يصح لهم - إذا قيل إنه تعالى قادر على أكثر من هذا الأصلح ، فيجب إذا لم يفعله أن يكون بخيلا - أن يدفعوا ذلك بأن ما يقدر عليه ليس بأصلح ، لأن ذلك إنما يتم متى صحت هذه المقدمة ، وهي إنما تصح متى صح ما أجابوا به ، وذلك يوجب تعليق العلم بكل واحد منهما بالآخر ، وسنبين من بعد أنه تعالى قادر على ما لا يتناهى ، مما لو فعله لكان نفعا وصلاحا ، وذلك يسقط هذا السؤال .
فإن قال : هلا قلتم : إن « الجواد » عبارة عمن تتسع نفسه للإكثار من العطية ، وإن ما يظهر من إكثاره من الجود ، إنما يوصف عنده بأنه جواد ، لدلالته على هذه الحال ، لأنهم لا يصفون المتكلف للإفضال ، الّذي يعلم من حاله أن صدره يضيق عنه ، بأنه جواد ، وإن أكثر من فعل الجود ؟
قيل له : لو كان الأمر كما ظننته ، لوجب ألّا تكون هذه اللفظة مشتقة من الفعل والإكثار منه ، وقد حصل فيها أمارة الاشتقاق ، ولوجب فيمن
هامش
( 1 ) في الأصل وجود ، ولعل الصواب : وجوب . ويشهد له ما يأتي بعد قليل .