تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 46

مساهمون:

ص٤٦
فإن قال : هلا قلتم إن الجواد يوصف بذلك من حيث بذل ما في وسعه من الجود والإفضال ، على نحو وصفهم الفرس بأنه جواد ؟ قيل له : لو كان كذلك لوجب في الغنىّ المثرى إذا جاد بالكثير من ماله ، ألا يوصف بذلك ، حتى يجود بجميعه ، واللغة تشهد بخلاف ذلك . وإن قال : إنما يوصف بذلك لأن ما لم يحدثه إنما لم يحدثه لعذر ولمضرة . قيل له : لو كان الاسم يفيد ما ذكرته ، لوجب متى لم تحصل فائدته ، ألا يوصف بأنه جواد ، وإن كان حاله لم يحصل العذر الّذي نبيّنه . يبيّن ذلك أن الأسماء المشتقة من الأفعال يستحقها من لم يفعل ذلك الفعل لعذر ، كما لا يستحقها من لم يفعله لغير عذر ، فكان يجب متى لم يبذل وسعه في الجود ، ألا يوصف بأنه جواد وإن كان معذورا . فأما وصف الفرس بأنه جواد ، فقد قال شيوخنا رحمهم اللّه : إنه مجاز ، لأن ما فعله من الإسراع ليس بجود في الحقيقة ، وإنما شبه ذلك بالجود والإفضال ، لمّا كان يفعله لغيره ، فيعطى من نفسه المراد من غير مشقة ، فشبه ذلك بالجواد الّذي يعطى من دون إلحاح في المسألة ، ولذلك لا تستعمل هذه اللفظة في الحمار وغيره ، وإن بذل ما في وسعه في كثير من أحواله . وقد قال شيخنا أبو علي رحمه اللّه : لو كان حقيقة الجواد ما ذكره السائل ، لوجب ألا يوصف تعالى قطّ بأنه جواد ، لأنه مهما يفعل من الجود ولإفضال ، قادر على ما لا نهاية له من الزيادة عليه ، فلا يحصل قطّ باذلا لجهده فيما يفعله من الجود والإفضال ، فقال بعضهم عند ذلك : إنه تعالى [ لا ] « 1 » يفعل الزيادة على ذلك ، لأنه فساد في التدبير ، فجميع ما فعله هو الّذي يصح أن يفعله من الجود والإفضال .
هامش
( 1 ) في الأصل : يفعل ، بدون ( لا ) . ولعل الصوب : ( لا يفعل ) .