تجعل النّص المملى عرضة لوقوع الأخطاء فيه ، لأن المملى عادة لا يتنوّق في اختيار الألفاظ ، ولا ترتيب الجمل ، ولا ربط بعضها ببعض بإحكام ، كما يكون ذلك في النص المكتوب ، ولذلك نجد في الكتاب جملا مبتدأة بأداة شرط ، لا جواب لها في الكلام ، ونجد أحيانا عبارات ساقطة ، يتوقف عليها تمام المعنى وبيانه ؛ وقد يكون في دلالة الحال على المعنى ما يفهمه السامع من المملى ، فإذا تغيرت تلك الحال ، كانت العبارة الناقصة غير موفية بما يحتاج إليه القارئ ، الّذي ينتزع المعاني مما يقرؤه من الألفاظ .
أما الكاتب الّذي يكتب ما يملى عليه ، فقد تختلف ثقافته عن إدراك معاني الألفاظ التي يمليها المملى ، أو يضعف سمعه لألفاظه ، فيضع كلمة في موضع كلمة ، أو عبارة موضع عبارة ، أو ينسى كلمة أو عبارة ، فهو إذن يدوّن كلام المملى تدوينا مقاربا لا محققا لألفاظ المملى . فإذا قرأ القارئ بعد ذلك ما كتبه الكاتب ، وجده غير مؤد تماما لما أراد المملى .
2 - ومن دواعي الغلط اختلاف قواعد رسم الهجاء العربي في الحواضر الإسلامية الكبرى وما يتبع كلّا منها من بلدان ، فالكاتب المغربىّ يكتب الظاء بصورة الضاد دائما ، والكاتب العراقىّ والمغربىّ يكتب ( كلا ، وكلتا ، ومهما ) هكذا بالياء آخر الحروف : ( كلى ، كلتى ، مهمى ) . وكثيرا ما وقع في هذا الجزء كتابة ( إلّا ) حرف الاستثناء ، بصورة حرف الجر ( إلى ) ونبهنا على ذلك في هوامش الجزء أكثر من مرة .
3 - يضاف إلى ذلك ما يحدثه الورّاقون والناسخون للكتب من غير المثقفين ، فقد كان الوراقون القدماء من أهل العلم والثقافة في كثير من الأحيان ، مثل محمد بن إسحاق النديم صاحب الفهرست ، ومثل أبى الحسن الرماني ، ومثل السيرافى شارح سيبويه ، وياقوت الحموىّ صاحب الكتب العظيمة ، أما النساخون المتأخرون فقد كان كثير منهم من غير المثقّفين ، وكل ما يؤهلهم لمهنتهم هذه هو جودة خطوطهم ، وإن لم يستطع بعضهم
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة مقدمة 6
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
صمقدمة ٦