بأنّ من حق القبيح ألّا يجوز أن يستحق به الشكر ، لأن الشكر يتضمن ضربا من التعظيم ، فلو استحق بالقبيح ، لكان قد استحق به ذلك التعظيم ، وقد عرفنا أن ذلك لا يصح . وبيّن أنّ « 1 » الكافر وإن استحق الشكر ، فإنما استحقه على الفعل الّذي حسن منه ، دون الكفر الّذي هو كفر ومعصية ، فأما استحقاق الذم والشكر على فعل واحد فلا يصح .
واعلم أن الشكر قد يستحق على فعل ، وقد يستحق لا على فعل ، وكذلك المنعم قد يكون منعما بفعل معين ، وقد يكون منعما لا بفعل .
يبيّن ذلك أنه تعالى لو لم يفعل العقاب بالمعاقب لكان منعما ، وإن لم يكن هناك فعل كما يكون منعما بالتفضل الّذي هو فعل ، وقد يكون أحدنا منعما على الغير بألّا يطالبه بالدين ، وإن لم يكن هناك فعل ؛ فإذا صحت هذه الجملة ، لم يمنع فيمن يقال أطعم الجائع في حال لزمه فيها ردّ وديعة ، أو قضاء دين ، أنه يكون منعما ، لا بالفعل الّذي فعله ، لكن من حيث وصل من قبله النفع إلى غيره .
يبين ما قلناه أن من أمر غلامه بإطعام الجائع ، يكون منعما دون الغلام ، وإن كان الفعل له ، لما كان التمليك من قبله . فإذا صحت هذه الجملة ، فالواجب أن يبنى ما سأل عنه عليه ، في كل موضع يقبح الفعل فيه « 2 » : أن الفاعل منعم ، لا من حيث فعل ذلك ، لكن لوصول النفع من قبله إلى غيره ، لأن ذلك لو وصل لا بفعل ، لكان بمنزلة أن يصل بفعل ، ويستحق الشكر لا على القبيح ، لكنه يستحقه للوجه الّذي ذكرناه ، وكل موضع حصل الفعل [ فيه ] « 3 » حسنا ، فيجب أن يقال إنه منعم به ، ويستحق الشكر عليه ، وإن لم يمتنع أن يقال فيه ما ذكرناه من الوجه الأول ،
هامش
( 1 ) ( أن ) : ساقطة من الأصل . وفاعل بين ضمير راجع إلى ( شيخنا ) .
( 2 ) ( فيه ) : ساقطة من الأصل في الموضعين . ولا بد منها للربط .
( 3 ) ( فيه ) : ساقطة من الأصل في الموضعين . ولا بد منها للربط .