واعلم أن الّذي ذكرناه ليكشف « 1 » عن التعلق بهذه اللفظة ، لا يجدى نفعا للمخالف ، لأنه كلام في عبارة ، ولا تصحح المعاني بالألفاظ ، بل يجب أن تثبت بأدلتها ، ثم يعبر عنها بما يختاره المتكلم ، فمتى قالوا إن الأصلح واجب ، لأنه أصلح ، وجب موافقتهم ، فيقال لهم : أتعنون بذلك أن النفع واجب على القديم تعالى ، وتعنون بذلك أن الصواب والحكمة واجب عليه ؟ ثم يقع الكلام في المعنى بحسب ما يعقل من مرادهم ، فسواء أسلّم لهم في هذه اللفظة ما ادعوها من الحقيقة ، أم لم يسلّم في بيان ما يجب بيانه في هذا الباب ، لكن هذه اللفظة لما كثر استعمالها في هذا الباب ، تكلفنا ذكر حقيقتها .
فإن قال : أفلستم قد عبرتم عن الألطاف بأنها مصالح ، وقلتم في الصلاة إنها أصلح للمكلّف ، وقلتم إن الأصلح فيما يتعلق بالتكليف واجب على القديم سبحانه ، فإذا لم يصح أن يراد بذلك النفع ، فهلا دلكم ذلك على أن حقيقة الصلاح ما قلناه ؟
قيل له : قد بينا في / باب الأصلح مقصدنا بهذه اللفظة ، وأنا لا نريد بها ما يجرى مجرى المبالغة ، بل نعنى به الفعل الّذي لا شيء أولى أن يطيع « 2 » المكلف عنده منه ، فوضعنا قولنا ( أصلح ) موضع قولنا أولى الأشياء بأن يختار المكلف ما كلف عنده ، فكما لا يقال بذلك النفع ، فكذلك إذا قلنا فيه ( أصلح ) ، وبينا أن تحت قولنا ( أصلح ) فوائد ، لا تحصل بقولنا إنه صلاح ، فلذلك عبرنا بهذه العبارة ، وإن كانت هذه اللفظة فيما استعملناها مستعارة ، وإن كانت بالاصطلاح قد صارت في هذا الوجه كأنها حقيقة ، فقد بطل الاعتراض بذكرها .
هامش
( 1 ) اللام : ساقطة من الأصل .
( 2 ) في الأصل ( يطبع ) ، ونظن أنها محرفة عن ( يطيع ) بالياء لا بالباء .