واعلم أن من الجنايات ما لا يلزمه فيه حق في الوقت ، بل يتأخر العوض فيه إلى الآخرة ، فما هذا حاله ، فالواجب عليه عند التوبة الاعتذار ، إن عرف المجنىّ عليه موضع الإساءة ، فأما إن لم يعرف ذلك ، فقد بيّنا في باب الاعتذار الحال في ذلك . فما هذا حاله لا يلزمه مع التوبة الاعتذار أيضا .
فإن قال : فإذا تأخر الحق إلى الآخرة أيلزمه العزم ، كما قلتم في الحقوق التي يجب تعجيلها في الدنيا ؟
قيل له : لا يجب ذلك ، لأن المتولّى لذلك الحق غيره ، فليس هو من واجباته ، وإنما يلزمه العزم فيما يتعلق الوجوب به ، دون ما عداه ، ولذلك لا يلزم أحدنا العزم على توفير العوض في الآخرة ؛ يبين ذلك أن العزم إنما يتبع في الوجوب وجوب المعزوم عليه ، بشرط أو بغير شرط ، لأنه متى سقط وجوبه ، بالدفع أو الإبراء ، يسقط وجوب العزم ، على ما قدّمناه . فإذا صح ذلك ، وكان العوض في الآخرة ليس من واجباته ، فكيف يلزمه العوض ؟ ويجب على هذه الطريقة لو أعلمه نبي من الأنبياء ، أنه لا يملك في حياته ما يرده في حقوقه ، ألا يلزمه العزم ، لأنا قد بينا أن وجوبه يتبع وجوب الحق ، إما بشرط أو بغير شرط .
فإن قال : فخبرونا عن هذه الجناية ، أيلزمه فيها الاستحلال من المجنىّ عليه ؟
وذلك نحو اللّطمة والشتمة ، إلى ما يجرى هذا المجرى .
قيل له : في العلماء من يوجب ذلك عليه . ويمتنع المسلمون من استعمال ذلك ، لأن فيه لطفا للجاني .
فإن قال : ما وجه اللّطف في ذلك ؟ ألأنه اعتذار ، أو لأنه يطلب به الإبراء من الحق ، وإسقاط العوض ؟
قيل له : قد بيّنا في باب العوض ، الكلام في أن المستحق للعوض المؤخر إلى
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 449
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٤٤٩