المجرى : إنه لا يلزمه إلا الأقل ، لأنه إذا تيقن وجوبه ولزومه ، دون ما زاد عليه .
فلا يجوز أن تلزمه الزيادة بالشك ، لأن الأصل أن لا واجب عليه ، وإنما يجب ذلك لعوارض . فإذا لم يعلم في وجوب الواجب إلا قدرا مخصوصا ، وشك فيما زاد عليه ، فالواجب ما تيقنه ، وإن كان الاستظهار يستحب منه على كل حال . / وعلى هذا الوجه نبنى الكلام في الأملاك .
ذلك لأن تجويز ما في يد الغير ألا يكون ملكا لم يعتبر ، ووجب اعتبار ظاهر اليد في صحة التملك من قبله ، فكذلك تجويز الزائد من الحق لا معتبر به ، والواجب ما ينفيه . يبين ذلك أنا لو ألزمناه الزيادة ، لكنا قد أوجبنا عليه الإضرار بنفسه ، وإزالة ملك من غير ظهور سبب الوجوب ، وذلك لا يصح .
فإن قال : هلا جعلتم الأصل في هذا الباب ثبوت الحق ، فما لم تتيقنوا سقوطه بالأداء ، فالحق ثابت . وهذا يوجب أن يرد ما في ظنه ليتيقن التخلص من الحق .
قيل له : إنه وإن علم ثبوت الحق فلن يعلم قدره ، وقد علم في الجملة أنه لا يحسن منه ، ولا يجب عليه ، أن يضر بنفسه ، ويزيل ملكه ، إلا الحق اللازم . فإذا لم يتيقن ذلك ، ولا هناك أمارة توجب عليه الظن ، فلو أوجبناه لكنا قد ألزمنا ما لا وجه لوجوبه . وفي ذلك ما ذكرناه من الفساد .
وهذا الخلاف إنما صح بعد البحث الشديد ممن عليه الحق ، لأنه لا يمتنع أن يتمكن من التوصل إلى تعرف قدر الحق ، بالبحث عن أمارات وغيرها ، فيكون مقصّرا . فأما إذا بلغ في البحث نهاية ما يقدر عليه ، فالواجب عليه ما قدمناه من الأقل . وهذه الطريقة هي الواجبة في الزكوات وسائر الحقوق ، إذا أخرها ولم يؤدها ، وجهل قدرها ، لأنه لا فصل بين هذه الحقوق وإن اختلفت مصارفها .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 448
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٤٤٨