كما أن الصلاة في آخر وقتها بين اللازمة ودون العزم . وقد يثبت في الحقوق ما هذا حاله ، لأن الحق إذا كان فيه أجل ، يجب فيه التخيير بين الرد والعزم . وكذلك إذا لم يشدد صاحب الحق في المطالبة ، فإن وجد هذا التائب الحق من بعد لزمه الرد ، فيكون بمنزلة واجب مبتدأ . وإن مكان سببه قد تقدم ، وإن مات على ذلك ولم يجدده ، انتقل الحق المعجّل إلى الأعواض في الآخرة ، إلا أنه يؤدّى عنه في الدنيا ، لأن هذه الديون والحقوق قد صح أن النيابة تجوز فيها ، فلا يمتنع ( كما تؤدى عنه في حال حياته ) أن يجوز أن تؤدى عنه بعد موته . ولذلك صح في الشرع أن يملك بعد موته ، لبعض الأسباب المتقدمة في حال حياته ، لأنه في الحقوق ، يصير ماله كأنه ملكه ، ولذلك لا ينتقل إلى الوارث إلا ما سلم عن ديونه وحقوقه . وقد بينا في باب العرض الكلام فيمن مات وله حق وعليه حق ، كيف يكون الحال في العوض ؟ وما الّذي يبقى منه له ، وما الّذي ينتقل إلى وارثه ، وفصلنا القول في ذلك . ولا فرق فيما ذكرناه ، بين أن يكون الواجب عليه بدل الجنايات على غيره ، مما لا قول فيه ، وهي أن يكون بدلا لاستهلاك مال وغصب ، وبين أن يلزم ببعض الوجوه التي يقتضيها الشرع . ولا فرق بين أن يكون الواجب مقدرا ، أو يتقدر بتقويم المقومين واجتهادهم ، أو يرجع فيه إلى اجتهاد الحاكم ، لأن فقد تقديره لو أخرج الحق من الوجوب ، لوجب إذا كان مقدرا ونسيه بطول العهد ، أن يخرج من أن يكون واجبا . وإذا أراد التائب في هذه الحقوق الاستظهار ، يمكن من ذلك . ولذلك قلنا إن الأولى فيمن نسي قدر الحق ، أن يستظهر على نفسه مع التمكن ، فيرد أكثر ما في ظنه أنه يلزمه ، ليكون على يقين من التخلص منه .
وقد بينا ما ذهب إليه شيخنا أبو علي رحمه اللّه ، لأنه يقول فيما جرى هذا
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 447
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٤٤٧