فإن قال : فإذا لم يكن ملجأ وقد ثبت وجوب الأمرين بحصول سبب وجوبهما ، فهلا جرى ذلك مجرى وجوب حقين عليه لغيره ، في أنه يلزمه صرف ذلك في كلا الوجهين .
قيل له : إذا ثبت للغير عليه قدران من الحق ، وليس يملك إلا بعضه ، فليس بأن يرده إلى أحدهما أولى من الآخر ، فوجب أن يقضى ذلك في الحقين . وليس كذلك الحال في نفسه ، لأنا قد بينا أن حق الغير مقدم على حق نفسه ، ولذلك يجب عليه دفع العظيم من الضرر بيسير ما يتحمله ، ولا يحسن منه أن يدفع الضرر العظيم عن نفسه ، بالضرر اليسير بفعله بغيره . هذا إذا احتاج ذلك الغير ، وصار المنع من الرد في حكم الظلم له . فأما إذا لم يحتج ولم يطالب ، فصرف ذلك إلى نفسه هو الواجب . وقد بينا في جواب مسائل أبى أحمد بن أبي هاشم رحمه اللّه ، الكلام في الواجبات إذا اجتمعت كيف يقدم بعضها على بعض ؛ فيما يتصل بالحقوق والعبادات وغير ذلك . وبينا أنه لا يجوز في التكليف ألا يكون لأحد الواجبين مزية على الآخر ، إذا لم يمكن الجمع بينهما . وبينا أنه مع فقد المزية يكون المكلف مخيرا في تقديم أحد الأمرين على الآخر .
فأما إذا لزمه رد الحق على جماعة ولم يتبع ملكه له ، والواجب ما قدمناه ، من تساوى الكل فيه ، لأنه ليس لبعضهم مزية على بعض مع المطالبة والحاجة .
فأما إذا حصل / لحق بعضهم مزية على غيره ، فالواجب أن يقدم ، لأن بعد مكان أحد الحقين ، أو حصول الأجل في حقه ، إلى ما شاكل ذلك ، ربما أوجب تقديم حق الغير عليه .
فأما إذا كان الكلام بعد ورود الشرع ، فإن ورد بخلاف ما تقتضيه طريقة العقل ، قضى به ، وإلا وجب ما ذكرناه في الحقوق . فأما إذا كان ما تحويه يده
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 445
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٤٤٥