وإن لم يسلم نفسه لإقامة الحدّ ، بل لو فعل ذلك لقدح في التوبة ، إذا كان عالما بقبحه ، فلذلك جوّزنا في هذه الحدود ، أن تسقط بالرجوع والهرب ، وجاز أن تسقط بالتوبة أيضا عند كثير من الفقهاء .
وليس كذلك القول ، لأنه يتعلق بحق من يستحقه ، فهو بمنزلة ما ذكرناه من الأموال ، وهذا هو الواجب فيما يجب فيه القول ، كان في النفس ، أو في الجوارح ، لأن الحال في الجميع لا تختلف ، ولا يختلف الحكم فيما ذكرناه ، سواء قيل في قتل العمد إنه يوجب القود فقط ، أو يوجب القود والدّية على طريقة التخيير ، لأنا إنما نوجب عليه التسليم عند المطالبة ، وعلى الوجهين لا يختلف الحكم ، في أن للولي أن يطالب . والقول فيما يجب بالقذف ، كالقول في القود ، وإن كان قد يفارقه في أمور كثيرة ، فجملة ما يلزم من الحدود لا تخرج عما ذكرناه ، من أن يكون حقا لآدمي ، يتعلق / بمطالبته واختياره ، أو لا يتعلق بذلك ، كحقوق اللّه ، والحكم فيهما ما بيناه .
وكل هذا القسم مما يتبع الشرع ، لأنا قد بيّنا من قبل ، أن القود لا يجب على طريقة العوض ، وأن من ظلمه بالأضرار ، يستحق بدلا من ذلك المنافع لا الإضرار ، وكشفنا القول في باب العوض . وسنبين في باب الوعيد ، أن العبد لا يجوز أن يستحق العقاب على غيره ، وأنه من الباب الّذي لا يستحقه إلا اللّه سبحانه . فأما ما يتعلق به حق في المال ، فمتى كان متمكنا منه ، يلزمه الرد عند التوبة ، وهو على ضربين : أحدهما أن يلزمه رد نفس العين ، إذا كان قائما « 1 » ، لأن الواجب على الغاصب أن يرد العين دون البدل . وإنما يلزم البدل إذا تعذر رد العين ، فيصير رد العين في هذا الوجه ، بمنزلة رد الوديعة ، في أنه لا يعدل عنها ، ويصير الواجب في ذلك رفع الحاجز ، لأن العين ملكه ، فحجز بما فعل بينه وبين التصرف فيه
هامش
( 1 ) كذا في الأصل ، وكأنه رد الضمير على العين مذكرا لأنها بمعنى الشيء .