تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 437

مساهمون:

ص٤٣٧
فإن قال : إن القود يخالف الحق في المال ، لأنه عقوبة ، ولا يحسن من الإنسان أن يتعرض للعقوبة ، أو يمكّن من إنزالها به ، بل يحسن منه أن يهرب من ذلك ، ويمتنع ما أمكنه . ولذلك لا يحسن من الإنسان أن يعاقب نفسه ، أو يريد عقابها ، كما يحسن من غيره ، ولذلك لم يحسن من الإنسان أن يتعرض لإقامة الحدود عليه ، إذا كان مصرّا ، فكيف يصح ما قلتموه ؟ قيل له : إن العقوبة متى انفردت بكونها عقوبة ، فالحال فيها ما ذكرته ، لأنه لا يحسن من المرء أن يتعرض لها ، أو يفعلها بنفسه ، أو يريدها ، بل الامتناع منها ، لأنها مضرة لا نفع له فيها ، ولذلك فصلنا بينها وبين الآلام النازلة به ، على طريقة الامتحان ، وقلنا إن الواجب عليه فيها الصبر ، وترك الجزع « 1 » والشكر عليها . وليس كذلك حال القود ، لأنه حق لآدمىّ ، فإن كان من باب العقوبة ، فقد اقترن به هذا الحكم ، وإن لم يكن من باب العقوبة ، فهو حق في نفسه للآدمى ، وفي الوجهين جميعا يلزمه تسليم نفسه ، ولم نعن بتسليم النفس ، أنه يتولى قتل نفسه ، لأن ذلك مما يتولاه غيره ، إنما عنينا أنه لا يمتنع من ذلك ، ولا يهرب منه ، أنه متى فعل ذلك ، لم تصح منه التوبة . وقد عرفنا أن مع التسليم قد يختار صاحب الحق تناول حقه ، وقد يختار تركه ، فليس تسليم نفسه هو العقوبة التي قلنا إنه لا يجوز أن يفعله بنفسه ، أو يريده ، لأنه لا يمتنع أن يسلّم ويريد ، وهو مع ذلك كاره لما ينزل به من القود ، أو غير مريد له ، فأحدهما منفصل من الآخر ، ولا فرق في هذا الوجه الّذي بيناه ، بين أن يقال في القود إنه عوض لصاحب الحق ، وهو عقوبة ، لأن ذلك مما لا يختلف لأجله الحكم الّذي ذكرناه . فأما إذا فعل ما يوجب حدّ اللّه تعالى ، كالزنا والشرب وغيرهما ، فالواجب عليه أن يتستر على نفسه ، لأنه لا يتعلق بحق آدمي ، فإذا لزمه ذلك صحت توبته ،
هامش
( 1 ) والشكر : كذا في الأصل .