العادة ، لأنهم رأوا أن المكلف قد يختار القبيح عند بعض الأمور ، وأوجبوا عليه التحرز من ذلك الأمر ، إذا كان مقدورا له ، وأوجبوا تعريف المكلف له ، وأوجبوا إذا كان ذلك من مقدوره تعالى ألا يفعله . وكذلك فيما هو لطف في الواجبات ، فصارت المضار المدفوعة في الدين والدنيا تجرى على هذين الوجهين .
وأن يفرع كل واحد منهما على ما أشرنا إليه ، فكيف يصح مع ذلك القول بصحة التوبة من الأمور المستقبلة ؟ وكيف يصح أن يعلق ذلك بالموافاة ؟ ونحن لا نقول بها ، وإن كنا لو قلنا بذلك لكان ما قدمناه من الوجوه يسقط التعلق بها .
فإن قال : هلا جوزتم أن يتوب زيد من ذنب من يلي عليه ويلزمه تهذيبه وتقويمه ، لأنه ، إذا كان بمنزلة الولد ، وصار فعله كأنه واقع منه ، فتوبته كمثل ، وما يعرفه من حال الشاهد في صحة اعتذار الوالد من ذنب ولده وتفريطه ، يدل على هذه الطريقة ، وما ثبت عن رسول اللّه صلى اللّه عليه من الشفاعة ، واستحقاق الغفران بها ، يدل على ما يقوله ؟
قيل له : قد بينا فيما تقدم ، أن من حق الندم ألا يتعلق إلا بفعله الواقع ، أو في حكم الواقع ، وأن المستقبل من أفعاله لا يجوز أن يتعلق به الندم ، ولا أن يسقط به العقاب ، فبألا يصح ذلك في فعل الغير أولى . وإنما يعتذر الوالد من تفريط ولده ، لتعلق أفعاله بما كان منه ، من تأديبه وتقويمه ، فيدل تقصيره على تقصيره ، فيكون اعتذاره كالإبانة عن سلامة تأديبه ، وأنه أتى فيما فعله من قبل نفسه ، فيكون توكيدا في جنايته ، أو يدل اعتذاره على أن التقصير كان من قبله ، فيكون تحققا لإساءته .
ويبين ما ذكرناه أنه لو اعتذر والولد مصرّ ، لكان للمظلوم أن يذمه ، ولو اعتذر الولد والوالد كافّ لصح سقوط الذم ، وقد بينا جملة من ذلك في الكلام
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 434
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٤٣٤