الوجه الّذي يمكنه عليه ، إما على جملة أو تفصيل ، وقد يصح منه وإن عرف القبيح مفصّلا ، أن يندم عليه من بعض جهات قبحه ، دون بعض ، فلا يجب قياس ذلك على ما ذكرناه .
فإن قال : فإذا لزمه أن يندم على المعيّن على طريقة التفصيل ، فهلا لزمه أن يندم عليه ، على سائر جهات قبحه وعظمه ؟ وإن لم يكن ذلك بواجب في جملة التوبة .
قيل له : لما بيناه من قبل ، من أن استحقاق العقاب إذا كان يتعلق بقبحه ، دون جهات قبحه وعظمه ، فيجب أن يندم عليه من هذا الوجه فقط . وبينا أنه قد يدخل في جهات العظم العقل وغير ذلك ، ولا يجوز أن يوجب الندم عليه من هذا الوجه . وشرحنا القول في ذلك بما لا وجه لإعادته .
فإن قال : فيجب على هذه الطريقة فيمن دعا غيره إلى الضلال ، فضلّ قوم عند ذلك ، ألا يلزمه أن يندم عليه إلا لقبحه فقط ، وأن يكون بمنزلة من دعا ولم يصادف قبولا ، والعقل يفصل بين الأمرين ، لأن في أحد الوجهين يعدّ مسيئا دون الوجه الآخر .
قيل له : قد بينا الجواب عمّا يجرى هذا المجرى ، لأنه لا فرق بين القبائح الواقعة عند فعلنا ، وإن اختلفت بالاعتقاد والمذاهب ، بمنزلة الأقوال والأفعال بالجوارح . فإذا صح في بعض ذلك ، أنه لا يلزم التوبة منه بل يصح ، وفي بعض أنه لا يلزم التوبة منه وإن صحت ، وفي بعضه أنه لا يلزمه أن يندم على فعله ، لأجل وقوع فعل غيره عنده ، ومفارقة جميع ذلك لما يتولد من الفعل القبيح منا ، فلا وجه لتفصيل الكلام في ذلك .
فإن قال : أفيلزمه عند التوبة أن يتوصل إلى إزالة ما أثّره بدعائه لكل وجه يمكنه ، أو لا يلزمه ذلك ؟
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 424
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٤٢٤