تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 421

مساهمون:

ص٤٢١
فإن قال : فقد قلتم من قبل : توبته من الإصابة المتولدة ، هي بأن يندم على سببها من وجهين ، لأن الندم عليها ، ولما وقعت لا تصح ، فجوزوا مثل ذلك فيما يحصل من الإماتة ، عند فعلكم ، بأن يندم على ما فعله ، من جهة أنه فعله على وجه يقبح ، ومن حيث يقتضي وقوع القتل عنده ، لأن الندم عليه يصح من هذين الوجهين . قيل له : إنا لا نمتنع من صحة ذلك ، لكنه لا يحسن ، لأن وقوع الإماتة عنده ، لا يجرى مجرى جهة قبحه ، ولا يحل محل اقتران قبيح آخر به ، لأن الإماتة حسنة ، بل ربما تكون واجبة ، إذا كان فيها مصلحة للمكلف . وإنما يحصل الندم على السبب ، كأنه ندم على المسبب متى كان تولد المسبب عنه جهة قبح ، أو بمنزلة اقتران قبيح واقع به . فإن قال : أليس الواقع من الإماتة عند فعله ، كأنه فعله ، وكأنه قبيح ، من حيث يلزمه العرض ، فهلا قلتم بمثله في باب التوبة ؟ قيل له : قد بينا أن العوض قد يلزم بفعل الغير ، كما يلزمه بفعل نفسه في باب العوض ، وليس هذا حال التوبة ، لأن فعل الغير كما لا يصح أن يستحق به الذم والعقاب ، فكذلك لا يصح أن يكلف التوبة منه على وجه . فإن قال : أفليس أبو هاشم رحمه اللّه قد قال إنه لا يمتنع أن يستحق الذم والمدح على فعل غيره ، فهلا جاز على ذلك القول أن يتوب من فعل غيره ؟ قيل له : قد بينا أن الصحيح أنه إنما يستحق الذم والمدح على فعله ، وإن كان يعظم بفعل غيره ، إذا كان على جهة التأسي ، كما نقوله في دعوة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : إنه وقع عظيما ، لما فيه من استجلاب الخلق على طريقة التبع والناس . وكما نقول في أمر المولى غلامه بالعطية : إنه إذا صادف العطية ، كان أعظم في المدح والثواب ، منه إذا لم يصادفها . فإذا كان هذا هو الصحيح ، لم يلزم ما سأل عنه .