قيل له : لأنه مع التكليف لا يصح أن يمكنه أن ينفك من القبيح ، من حيث يوجب كونه معذورا في القبيح ، مع فساد ذلك . فإذا صح ذلك فالواجب على الغاصب للمكان أن يفارقه ، كما يجب على غاصب المتاع أن يرده . وإن كان الرد في حكم التصرف ، لكنه لما لم يصح منه الخروج عن غصبه ، إلا بذلك ، حسن ووجب . فكذلك القول في الخروج . ولذلك يلزمه أن يفعل من الخروج أقربه إلى مفارقة الغصب ، وأبعده من الإضرار بالمغصوب منه .
ولهذه الجملة قلنا فيمن دخل زرع غيره : إن الواجب عليه الخروج على أقرب الوجوه إلى إزالة الضرر ، والبعد عن الغصب ، وأبطلنا قول من زعم أن كل ذلك يقبح منه ، وليس يمتنع في العقل إذا فعل على حد الابتداء ، أن يكون غصبا وقبيحا ، وإذا فعل على وجه التخلص من غصب سواه ، أن يكون حسنا ، على نحو ما ذكرناه في تناول المتاع للرد ، لأنه لو فعله ابتداء لكان قبيحا ، فإذا فعله على وجه الرد والتخلص من الغصب ، كان حسنا ، وعلى هذا الوجه نقول في الزاني إذا زنى :
إنه يلزمه مفارقة الزنا ، وإن كان لا يصح إلا بأمر لو ابتدأ بمثله لكان قبيحا .
وقد ثبت أن الإضرار بالغير كما يقبح ، فكذلك الإضرار بالنفس . فلو أن المكلف خاف ، للزمه مفارقتها . وإن كان لا يمكنه إلا على وجه يمسه ويؤلمه ، لكنه لما لم يكن له سبيل إلى دفع الضرر عن نفسه إلا بهذا القدر ، لزمه ذلك ، فكذلك القول في الإضرار بالغير على طريقة الغصب . وعلى هذا الوجه لو أحاط بالمرء جماعة أحياء « 1 » ، وثباته في مكانه يقبح ، للزمه مفارقته بحسب الحال ، فإن كان لا يمكنه ذلك إلا بالإضرار بهم ، على وجه يقبح لزمه الثبات ، وإلا فالمفارقة لازمة ، ولا يجوز ألا يتمكن لأجل مجاورة الحي من مفارقة المكان ، لأنه على صفة يمكنه
هامش
( 1 ) في الأصل : ( احبا ؟ ؟ ؟ ) بدون نقط . والكلمة قلقة في مكانها .