ولسنا نقول في الكفر والاعتقادات الفاسدة : إن التوبة منها فعل ضدّها ، بل التوبة من جميع القبائح : ما ذكرناه من الندم والعزم ، وإن كان ربما وجب عندهما العدول من فعل إلى فعل ، على ما قدمنا القول فيه .
فإن قال : هلا قلتم بصحة التوبة من الفعل في حال حدوثه ، فلا يصح اشتراط الإبطال فيها ، من حيث يستحيل منه أن يبطل ما يحدثه في حال إحداثه .
قيل له : إذا كان الفعل مباشرا ، فالتوبة إنما تصح منه في الثاني ، لأن في حاله لو كان تائبا لكان نادما على الفعل لقبحه ، ولا يجوز أن يكون كذلك وهو مقدم على قبيح . وكذلك فلا يصح أن يكره القبائح لقبحها أو يعزم على تركها لأجل قبحها وهو مع ذلك مقدم على قبيح ، فصارت التوبة في هذا الوجه كالمنافية لفعل ما هي توبة منه ، فلذلك وجب تأخيرها عن الفعل المبتدأ .
فإن قال : فيجب ألا يصح من المكلف أن ينوى من القبيح في الثاني ، إلا إذا صح أن يعلمه قبيحا ؟
قيل له : كذلك نقول . لأنه متى لم يصح ذلك فيه ، لم يأمن من كونه حسنا واجبا ، فعند ذلك يصح منه الندم ، الّذي من حقه أن يكون توبة .
فإن قال : فيجب على هذا القول ألا يصح منه أن يتوب / من المذاهب الفاسدة ، لأنه لا يمكنه في الثاني أن يعلم في اعتقاده أنه جهل ، وإنما يقبح لهذا الوجه ؟
قيل له : ليس الأمر كما قدره ، لأنه يقبح منه الاعتقاد إذا لم تسكن نفسه إليه ولم يأمن كونه جهلا ، فسواء علم أنه جهل ، أو لم يعلم ذلك من حاله ، فعند تأمله ما يعلم من حال الاعتقاد ، بطل ما ذكرناه « 1 » ، فيلزمه أن يتوب منه . وإن كان
هامش
( 1 ) في الأصل : ( طل ذكرناه ) . وهو تحريف من الناسخ .