الموفى على الإساءة اليسيرة ، أن يلزمه الاعتذار . وكان يجب أن يلزمه الاعتذار حالا بعد حال ، متى ذكر إساءته ، فإذا بطل ذلك فيه ، وجب مثله في التوبة ، لأن العلة في الاعتذار ، أنها لا تسقط ذما أو ضررا ، وذلك قائم في هذه التوبة .
ومما يدل على ذلك أيضا أن التوبة من القبيح الواقع قبل التكليف ، قد بيّنا أنها لا تجب عليه ، والعلة في ذلك ، أنه لم يستحق به ما يزيله بهذه التوبة ، فلا يجوز أن يلزمه من جهة العقل / ، وهذا قائم في التوبة من الصغير ، ومما قد تاب منه .
ومما يدل على ذلك أيضا ، أنه لا بد للواجب العقلي من وجه يجب لأجله ، ولا وجه يعقل في التوبة إلا إزالة الضرر المعلوم أو المظنون بها . وإذا كان ذلك مفقودا في التوبة من الصغير ، ومما قد تاب منه ، فيجب نفى وجوبها ، كما يجب بمثله نفى وجوب صلاة سادسة ، إلى ما شاكلها ، ولا يمكنه أن يجعل وجه وجوبها كونها تركا للقبيح ، الّذي هو الإصرار أو غيره ، لأنا قد بينا من قبل فساد ذلك .
فإن قال : هلا قلتم بوجوبها ، لأنها لطف ومصلحة ، ولكون ذلك معلوما بالعقل ، لقولكم في النظر والمعرفة .
قيل له : لو جاز ذلك منها ، لجاز مثله في سائر الشرعيات ، فإذا لم يصح قياس ذلك على النظر والمعرفة ، فكذلك القول فيها . وإنما خصصنا بذلك النظر والمعرفة ، لأن وجه كونهما لطفا ، معلوم بالعقل ، على ما بيناه في باب المعارف ، وليس كذلك حال الصلاة ، فكذلك القول في هذه التوبة .
فإن قال : أفليس الأنبياء صلوات اللّه عليهم ، قد استغفروا من ذنوبهم ، وتابوا منها ؟ قيل له : إن ذلك لا يدل على وجوبها ، ولو دل كان لا يمتنع أن يكونوا علموا وجوبها سمعا ، لا عقلا ، ولا يدل ذلك على موضع الخلاف .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 407
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٤٠٧