قبل ، وإنما يجب لإزالة العقاب ، أو لكونها مصلحة ، وهي مفارقة للثواب في وجه وجوبها ، فكيف يصح قياسها عليه ؟ والتوبة من الصغير مع فقد السمع قد عدم على وجهي الوجوب منها ، فكيف يقضى بوجوبها ؟
يبين ما قلناه : إن ترك المعصية التي يتوب منها ، لا يجوز أن يجب إلا مع العلم بالمتروك مفصلا ، والتوبة قد تجب مع العلم بها مجملا ، وأحدهما مفارق للآخر .
يبين ذلك أن القبيح الّذي فعله قبل التكليف ، لو تمكن من تركه الآن ، للزمه ، ولا يجب إذا تمكن من التوبة منه أن يلزمه ، وذلك يوجب بطلان حملها عليه . هذا لو كان الترك يجب عندنا ، فكيف وقد يجوز ألا يجب عليه ترك القبيح ، مع العلم به ، متى صح أن يخلو منهما جميعا .
فإن قال : هلا قلتم بوجوب هذه التوبة ، من حيث تزيل تأثير المعصية التي فعلها ، لأنها وإن كانت صغيرة ، فلا بد من أن تصير مؤثرة في ثوابه ، فتصير لمكانها / أنقص مما يستحقه لولاها ؟
قيل له : إن المعصية الصغيرة يصير عقابها جزءا من ثوابه ، فيسقط تعدد عقابها من ثوابه . فإن كانت التوبة تجب لتزيل تأثيرها ، لم يخل من وجهين : إما أن تكون مزيلة للعقاب ، فيبطل تأثيرها ، وهذا لا يصح فيها ، لأن هذا التأثير قد يعدم عند وجودها . وقد زال العقاب في الحقيقة ، بما قابله من الثواب الّذي سقط به . فكيف يصح أن تكون مؤثرة على هذا الوجه ؟
ولو جاء فيها ذلك ، لجاز أن يقال في التوبة بعد التوبة ، أنها تؤثر في إزالة ما قد زال بالأولى . أو يقال : إنها تؤثر بأن تعيد ذلك الثواب الّذي قد انتقص بعقاب المعصية . وهذا لا يصح ، إلا أن يكون ذلك القدر من الثواب مستحقا ،
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 404
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٤٠٤