تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 29

مساهمون:

ص٢٩
ودخول الاجتهاد فيه ، فأما إذا تجرد فليس إلا القول بوجوبه ، لكن القادر لا بدّ من أن يرجح نفسه على غيره ، فيما يقدر عليه من النفع ، إذا كان ممن يجوز عليه المنافع والمضار ، فكذلك لا يلزمه نفع غيره بمشقة تلحقه ، أو تفويت نفع ، فأما إذا زالا جميعا ، فقد وجب أن ينفع غيره ، كما يلزمه أن ينفع نفسه ، ومتى كان القادر ممن لا تجوز عليه المضار والمنافع ، فليس يشينه الحال فيما يقدر عليه من النفع ، بل الواجب القضاء بلزومه له ، لأنه نفع مجرد ، لا يشوبه ما يؤثر في وجوبه ، ومتى قدر القادر على نفع هو مضرة ، فلا بد من أن نعتبر فيه أحد أمرين : إما أن يكون الحكم للنفع ، فيثبت الوجوب ، أو للمضرة ، فيسقط وجوبه ؛ أو يكون الحكم للأغلب منهما ، فإن كان الأغلب النفع ، يكون الحكم له ، وإن كان المضرة فالحكم له ، ولذلك قلنا إن تدبير الحكم يجرى على هذه الطريقة في عباده ، فيفعل الصلاح بهم ، فإن لم يتم فيما يفعله أن ينفرد بكونه صلاحا ، فلا بد من أن نعتبر الأعم والأغلب ، على ما نعرفه من حال الشاهد في تدبير الإنسان أولاده ، وكذلك تبين استقامة الفروع على الأصل الّذي ألزمناكم ، فما الجواب ؟ اعلم أن الوجه الّذي له يجب الواجب ، غير الوجه الّذي له يحسن من الموجب ، وقد بيّنا من قبل أن الإيجاب فعل الموجب ، والواجب فعل المكلّف الّذي أوجب عليه وألزم ، وأحدهما منفصل من الآخر ، فلا يمتنع اختلاف حكميهما ، بل الواجب في كل واحد منهما أن يعتبر بنفسه . وبينا أن تعلق أحدهما بالآخر ، ليس بأكثر من تعلق الدفع بالآخر ، فكما قد يجب على القادر المكره دفع ماله إلى المكره ، ويقبح من المكره الأخذ ، فكذلك لا يمتنع أن يحسن الإيجاب ، لوجه سوى الوجه الّذي له يجب الواجب
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 29 | القاضي عبد الجبار الهمذاني