فصل يتصل بذلك فإن سأل سائل / فقال : ما أنكرتم في كل ما ذكرتم من الواجبات : أنه يجب لوجه واحد ، وعلى طريقة واحدة ، وأن وجوه الواجبات لا تختلف ، بل ليست تجب إلا لوجه واحد ، وذلك لأن ما يلزم المكلف ، إنما يجب لأجل النفع الّذي يستحقه به ، فإذا لزمته التوبة ، فإنما تلزم لما يجرى مجرى النفع ، وهو دفع الضرر ، ومتى لزمته الشرائع ، فعلى هذه الطريقة تلزم الألطاف منها ، وتقبح المفسدة ، فيلزم تركه .
وكذلك القول فيما يجب لطلب صلاح الدنيا ، أنه إنما يجب على هذين الوجهين ، فإذا وجب الفعل لما فيه من النفع ، ولا وجه يثبت في وجوبه سواه ، ففي ذلك صحة ما يقوله أصحاب الأصلح ، من أنه يجب إيصال النفع إلى الغير ، في الشاهد والغائب ، ما لم تعرض فيه مضرة تلحق الفاعل ، لأنه [ إن ] « 1 » كان ممن يشق عليه ذلك كان الحكم للضرر ، فإن كان مما ينتفع بالمنع ، فلا بد من أن يعمّ بالبذل ، فيكون الحكم له ، فأما إذا عرى عن ذلك ، فلا بد من وجوبه ؛ كما إذا عرى الفعل من جهات القبح ، فلا بد من حسنه ، إذا فعله العالم بحاله ، وهذا ينقض قولكم إن رد الوديعة يجب ، لأنه رد الوديعة ، وكذلك القول في قضاء الدين ، والإنصاف ، وشكر النعمة ، إلى غير ذلك مما قدمت ذكره ؛ ولأن جميع ذلك يجب لوجه واحد ، فلا معنى لما تذكرون من القسمة في هذا الباب ، فكان النفع من حقه أن يكون واجبا على القادر متى أمكنه فعله ، متى خلص كونه نفعا ، فإذا لم يخلص واقترن به المضرة ، فلا بد من اعتبار المقادير في ذلك ،
هامش
( 1 ) ( إن ) ساقطة من الأصل .