تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 393

مساهمون:

ص٣٩٣
الّذي يلهو ويقلّ فكره في أحوال آخرته ، لأن من هذا حاله ، قد يكون في حكم العاقل ، مع ذكر معاصيه ، فكما أن ذلك لا يخرج التوبة من أن تكون لازمة له ، فكذلك القول في سائر أحواله . وإنما الكلام في أنه سبحانه لا يخلى المكلف ، مع تفريطه واستحقاقه للعقوبة ، مما معه يعلم لزوم التوبة له . ثم قد يصح أن يؤتى من قبل نفسه ، بالتشاغل والغفلة ، وذلك لا يؤثر في هذا الباب ، كما لا يؤثر في وجوب سائر الواجبات عليه ، إذا حصل الوجه الّذي لأجله يجب .

فصل في أن المكلف لو علم صغر معصية عند عظم طاعته ، هل كانت التوبة لازمة له ؟

اعلم أن هذه المسألة لا تتأتى من جهة العقل في المكلّف ، ولا من جهة السمع فينا والحال هذه . لأنه قد ثبت أنا لا نعلم في شيء من المعاصي الواقعة منا ، أنه صغير ، بل لا شيء يشار إليه منها ، إلا ويجوزه كبيرا ، فالتوبة واجبة من جميعها ، في العقل والسمع علينا . وإنما تصح المسألة في الأنبياء صلوات اللّه عليهم ، لأنهم يقطعون على صغيرة معاصيهم ، بالدليل الّذي به يعلم أن معاصيهم لا تكون إلا صغيرة ، ويصح فينا على ضرب من التقدير ، بأن يقال : لو علمنا في بعضها أنها صغيرة هل كانت التوبة لازمة لنا من جهة العقل ؟ وهل حصل في السمع ما يدل على وجوبها ؟ والّذي كان يقوله شيخنا أبو علي رحمه اللّه : أن التوبة منها واجبة ، كوجوبها من سائر المعاصي ، لأن عنده أن التوبة والإصرار يتعاقبان على المكلف ، عند ذكر المعصية ، ولا فصل في ذلك بين الصغيرة والكبيرة ، فأوجب لذلك التوبة