وأما أن يكون المكلف غير مستحق للعقاب ، لكنه يعلم أنه إن ثبت فيستحقه لا محالة ، أو يقوى ذلك في ظنه ، فتلزمه التوبة ، لأن الدلالة قد دلت على أن التحرز مما يخاف منه من المضار ، تلزم بالفعل الّذي لولاه لوقع ذلك المخوف ، أو خيف وقوعه ، ولا فرق في العقل بين ذلك وبين التحرز من الواقع أو ما هو في حكمه .
فإذا صح ذلك ، وثبت على أحد المذهبين أن فاعل سبب إصابة المؤمن ، قد يخاف من استحقاق العقاب على الإصابة ، لأنه يعلم أن ذلك فسق بالسمع ، أو يجوزه من جهة العقل ، فتلزمه التوبة ، للعلة التي قدمناها ، لأنه مكلف فيما بين حال السبب وحال الإصابة من الأوقات ، فلا بد من أن يتمكن من الانتفاع بطاعته .
فأما على المذنب الثاني فالكلام ظاهر ، لأنه إذا استحق عقاب المسبب والسبب جميعا ، في حال وجود السبب ، فالتوبة تزيل العقاب المستحق ، على هذه الطريقة .
فأما التوبة من كونه غير فاعل لما وجب عليه من قبل ، فالكلام فيه كالكلام في التوبة من فعل القبيح ، في سائر الوجوه التي ذكرناها ، فلا وجه لإعادة القول فيه .
فإن قال : فلو أنه لم يخف في الوقت من عقاب يستحقه ، لكنه ذكر أنه كان من قبل ظانا لعقاب يستحقه ، أو عالما به ، أتلزمه التوبة ؟
قيل له : نعم . لأنه إذا ذكر علمه ، فلا بد من أن يكون عالما بالمعلوم ، إما على جملة أو تفصيل ، فالتوبة له لازمة ، وإذا ذكر الظن ، فلا بد عند ذكر الظن من أن يخاف كخوفه ضد الظن . فالتوبة له لازمة . ولا معتبر فيما ذكرناه بالمكلف ،
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 392
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٣٩٢