تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 390

مساهمون:

ص٣٩٠
فمن وصفت حاله لا بد من أن يخطر بباله ما يخاف معه من الإقدام على القبائح ، فيلزمه التوبة على طريق الجملة . وكذلك القول فيمن يسهو عن كل معاصيه ، لأنه لا يصح على هذه الطريقة ، أن يكون ساهيا عنها ، على الجملة والتفصيل جميعا ، وإنما يصح ذلك في تفصيله ، فيكون خائفا ، وتلزمه التوبة ، على طريق الجملة . وكذلك القول فيمن يسهو عن كل معاصيه ، لأنه لا يصح على هذه الطريقة أن يكون ساهيا على طريق الجملة ، وهو عالم بما وقع منه على طريق التفصيل ، لأن ذلك يتناقض . فإن قيل : أما يصح أن يلزمه التوبة ولا عقاب يستحقه ، فيجب ألا يمتنع ؟ ؟ ؟ وجوبها عليه ، وإن كان مستحقا للعقاب . قيل له : إن الدلالة قد دلت ، على أن التحرز من المضار المظنونة واجب ، كوجوب التحرز من المضار المعلومة ، فإذا صح ذلك ، فالعالم بما يستحقه من العقاب ، يلزمه التحرز منه ، لمكان العلم ، وقد يجوز أن يتعلق بأن يستحق العقاب وهو غير مستحق له ، فيلزمه التوبة للخوف . وهذا الظن قد يتأتى فيه على وجهين : أحدهما أن يكون ظانا لنفس القبيح ، وأنه واقعه وهو في الحقيقة لم يواقعه . والثاني أن يكون قد تاب مما علم من القبيح ، وقد نسي توبته ، فهو ظان لبقاء ما يستحقه من العقاب ، فتلزمه التوبة على هذين الوجهين ، وإن لم يكن هناك عقاب للخوف الشديد ، على ما ذكرناه . فإن قال : أفتجوزون أن يكون مقدما على قبيح ، ويغلب على ظنه أنه صغير مكفّر بعظيم طاعاته ، وتقوى أمارة ذلك في نفسه ، فلا تلزمه التوبة ؟ قيل له : لا يجوز ذلك ، لأن وقوع نفس القبيح منه ، مع علمه بأنه يستحق الذم عليه ، وأن من حقه أن يستحق العقاب عليه ، إلا لمنافع ، يقتضي ثبوت
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 390 | القاضي عبد الجبار الهمذاني