القول في تجديد التوبة ، لأن ذلك لا شك مستحب في الشرع ، ولا يكون كذلك إلا على الوجه الّذي وصفناه .
فإن قال : فإن كانت تحسن أو تجب من جهة المصلحة ، على أحد هذين الوجهين ، فيجب من جهة العقل ، أن تكون قبيحة ، ولو كانت قبيحة وضدها أيضا قبيحا ، لوجب ألا يصح من المكلف وقد واقع المعصية الصغيرة ، أن ينفك من القبيح .
قيل له : قد ثبت بالدليل عندنا ، جواز خلو القادر من الأخذ والترك ، ولو كانت الحال ما ذكرته ، ما كان يجب ألا يمكنه الانفكاك من القبيح .
فإن قال : فأنتم تقولون إنه في بعض الأحوال لا يخلو من الفعل ، وإن جاز أن يتعرّى من الأخذ والترك ، فالسؤال لازم لكم في بعض الأحوال .
قيل له : إنما وجب ذلك في أفعال الجوارح ، من الأكوان وما يجرى مجراها ، فأما في أفعال القلب ، فذلك غير واجب ، لأن حال القادر لا تختلف فيها ، كاختلاف حاله في أفعال الجوارح .
فإن قال : فعند الدواعي لا يعرى من الفعل ، فالسؤال لازم لكم .
قيل له : يلزمه عندنا لو كان الفعل وتركه قبيحين أن يغير دواعيه ، لأن ذلك ممكن ، فيخلو منهما ، هذا لو صحّ أن للتوبة تركا ، فكيف وقد علمنا أنه لا ترك لها في الحقيقة ، لأن من حق الترك أن يكون ضدا ، ولا ضد للتوبة .
فإن قال : إن تركها هو الاغتباط بالمعصية ، لأنه يضادّ الندم أو العزم على فعل مثلها ، لأنه يضاد العزم على تركها ، وكراهة ترك المعصية لا تضاد إرادتها ، فكيف يصح والحال هذه أن تقولوا : لا ضد لها ؟
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 395
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٣٩٥