تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 389

مساهمون:

ص٣٨٩
وذلك بمنزلة تكليف ما لا يطاق ، فإذا صح ذلك ، فحال المكلف لا يخلو من أقسام : إما أن يكون عالما بما يلزمه أن يتوب منه ، أو يكون عالما بذلك على وجه الجملة ، فالتوبة تصح منه ، بأن يأتي بالندم والعزم على طريق الجملة ؛ أو يكون ظانا لذلك وخائفا منه ، فالتوبة تصح منه على الوجهين ، لأن ظنه قد يصح أن يكون متعلقا بمعين ، كما يصح أن يتناول المظنون ، على حد الجملة . وإما أن يكون عالما ببعض ما يتوب منه ، دون بعض ، فالذي لا يعلمه إذا جوّزه وظنه لزمه ، أن يندم فيما علم ، على طريق التفصيل ، وفيما خاف مما لا يعلمه بعينه على طريق الجملة ، لأنه لا فرق بين الكل والبعض في الظن والعلم ، وفي كيفية التوبة منه ، إما على جملة أو تفصيل . وإما أن يكون عالما ببعض ما يتوب منه ، والبعض الآخر مما يستحق به العقاب ، يعتقده على حالة لا يلزمه معها التوبة منه عنده ، بأن يعتقد في القبيح أنه حسن ، فالتوبة منه تصح ، على ما قدمنا ذكره ، لأنا قد بينا أنه يلزمه الشك في حال يلزمه فيه التوبة ، ويمكنه أن يفعله مع هذا الشك فيه ، ويزول كل عقابه . وإن لم يفعل الشك ، يكون تائبا مما ندم عليه دون ما اعتقد فيه الحسن ، فلا يخرج من أن يكون التوبة منه ممكنة ، على الوجه الّذي يزيل العقاب ، وقد بيّنا القول في تفصيل ذلك من قبل . فإن قال : أفتجوزون أن يعلم بعض القبائح ، ويسهو عن البعض ، حتى لا يخطر بباله ، فلا يحصل عالما به ولا خائفا . قيل له : يجوز ذلك لما بيناه ، من أنه لا يجوز مع التكليف أن يكون مستحقا للعقاب ، ولا يكون متمكنا من إزالته ، حتى يصح منه الانتفاع بطاعته ،