وقد مر في كلامه في بعض المواضع ، أن الترك إنما فارق الفعل ، لأنه ليس عليه في الترك مئونة ، مثل الّذي عليه في الفعل ، ولأن تركه للكثير من الفعل ، كتركه للقليل ، وليس كذلك حال الفعل .
ولهذه الجملة أوجب الفصل بين الفعل والترك ، فيمن تجوز عليه المنافع والمضار ، دون القديم تعالى ، ولا فرق بين القديم والمحدث ، إذا تعلقت الأفعال بعضها ببعض ، واتفق دواعيها ، حتى صار ماله يفعل ولا يفعل ، حاصلا في كل فعل . ولذلك قلنا : إنه تعالى إذا لم يفعل بعض القبائح لقبحها ، ولاستغنائه عنها ، فكذلك كل القبائح . وإذا فعل بعض الواجبات لوجوبه ، فكذلك سائر الواجبات . فصار حال القديم سبحانه في ذلك ، كحال الواحد منا في الترك الّذي ذكرناه ، لا لأن لبعض الأفعال التي يقدر عليها تعلقا ببعض ، لكن لأن في كل واحد منهما الوجه الّذي له يفعله ، أو لا يفعله .
فإذا صحت هذه الجملة ، فيجب أن ينظر في حال التوبة : فإن كانت كالترك ، وجب أن تجرى مجراه في الوجه الّذي ذكرناه ، وإن كانت كالفعل ، فغير ممتنع أن يتوب من الفعل لقبحه ، ويكون مقيما على قبيح آخر ، فلا يكون نادما عليه . وقد عرفنا أنه بمنزلة الترك ، لأن الترك هو فعل أيضا ، لكنه لما كان المقصد بإيثاره حال المتروك دون حاله ، فارق حكمه لحكم الفعل ، فكذلك التوبة ، قد علمنا أن المقصد بها حال ما هي توبة منه ، دون حالها ، فيجب أن تكون بمنزلة الترك فيما قدمناه . ولذلك قلنا فيها : إنها إقلاع عن القبيح كالترك ، ولذلك صح أن يقال فيها إنها بذل المجهود في استدراك ما كان منه ، وإنها تحل محل ألا يفعل ما قد فعله ، وكل ذلك يؤذن فيها بأنها كالترك ، فإذا ثبت أنه لا يجوز أن يترك في الوقت شيئا لعلة ، وهو مقيم على ما شاركه في تلك العلة ،
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 387
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٣٨٧