وليس يخلو من أن يمكنه الجمع بينهما ، أو يتعذر ، فإن تعذر ذلك ، فلا شك في أنه يفعل أحدهما ، ولا يفعل الآخر ، لأن الداعي يتبع الصحة . وإنما يقال إن الداعي يدعوه إلى الجمع والتفريق في وقت واحد ، متى صح الفعلان ، ويمكنه الجمع بينهما ، فليس يخلو حاله من وجهين : إما أن يكون عليه في الجمع بينهما زيادة مشقة ، أو لا يكون كذلك ، فإن كان عليه زيادة مشقة ، لم يمتنع أن يفعل أحدهما ولا يفعل الآخر ، لأن لزيادة المشقة تأثيرا في تغير الدواعي . فأما إذا لم يكن هناك زيادة مشقة ، فيجب أن ينظر : فإن كان يفعل الفعل للنفع ودفع الضرر ، ففي هذا الوجه لا يجوز أن يفعل أحدهما إلا ويفعل الآخر ، لأن غرضه التماس مصلحته في باب النفع ودفع الضرر ، ويمكنه أن يتوصل إلى نفع كثير والمشقة واحدة بالفعلين ، فلا يجوز أن يقتصر على أحدهما . وهذا الوجه يبعد ، إلا أن يحصل ملجأ .
ولذلك قال أبو هاشم رحمه اللّه ، فيما هذا حاله : إنه يفعل أحدهما لما له يفعل الآخر . وقال في موضع آخر : إنه يفعلهما للإلجاء . ومعنى اللفظتين يتقارب ، لأن من قوله : إن الفعل بخلاف الترك ، فمتى لم يحمل كلامه على أنه يفعل أحدهما لماله يفعل الآخر ، وهو الإلجاء ، كان ذلك ناقصا لفصله بين الفعل والترك ، فإن كان إنما يفعل أحدهما لحسنه ، أو لما يجرى هذا المجرى ، فإنه لا يجب أن يفعل الآخر ، لأنه لو كان متى فعل الحسن لحسنه ، فعل كل جنس ، لوجب من ذلك خلاف ما نعقله من أنفسنا فيما نأتيه من الصدقات وغيرها ، ولوجب من ذلك في القديم تعالى ، أن يفعل ما لا نهاية له .
فأما إذا لم يفعل الفعل لضرب من الدواعي ، فإنه لا يصح في الحال أن يفعل ما شاركه في ذلك ، متى اجتمعت شرائطه .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 385
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٣٨٥