دونه ، وكل ذلك مما بيناه متفرقا في الكتاب . ولهذه الجملة قلت : إن ما يتناوله التكليف من الفعل والترك ، لا بد من أن يقترن بنفعه الضرر ، وبضرره النفع .
حتى تتردد دواعيه بين الفعل والترك ، فيزول فيه الإلجاء ، ويصح أن يفعله على على الوجه الّذي كلّف أو لا أن يفعله ، وعلى الوجه الّذي لزمه ألا يفعله .
وقد بينا من قبل أن هذه الدواعي قد تكون معجلة ، وقد تكون مؤخرة ، وبينا أن النفع الّذي بفعل الفعل الشاق ، إذا كان ثوابا متأخرا ، فلا بد من زوال الإلجاء ، وبينا أن النفع ودفع الضرر ، إنما يتعلق بهما الإلجاء ، إذا كانا معجّلين ، أو في حكم المعجل ، فإنما امتحن اللّه تعالى عباده في التكليف ، بأن يفعل ما يشق ، أو يجرى مجرى الشاق ، بشهوته له ، وقوة دواعيه للثواب المرجو . فما هذا حاله ، يتناوله التكليف ، من حيث حصل فيه في الوقت المشقة ، على الوجه الّذي قدمنا ذكره في هذا الباب ، وكان النفع الملتمس به متأخرا ، ولذلك قلنا : إن الثواب لو كان معجّلا ، أو في حكم المعجل ، لبطل التكليف ، لعود حال المكلف إلى حال الملجأ .
وليس المقصد بما أوردناه من الجملة إلا ما نذكره الآن ، لتعلقه بالتوبة ، فنقول :
إن الفعلين قد يتفقان فيما له يفعلهما ، أو يختلفان . فإذا اختلفا فلا شبهة في أنه يجوز أن يفعل أحدهما ولا يفعل الآخر ، فأما إذا اتفقا فيما له يفعلهما ، فقد يتفقان في ذلك مع تغاير الوقتين ، فلا شك أنه يجوز أن يفعل أحدهما ، ولا يفعل الآخر ، لأن تغاير الوقتين بمنزلة اختلاف الداعيين ، فإذا صح هذان الوجهان صح أن يفعل أحدهما ولا يفعل الآخر ، فكذلك في هذا الوجه . وقد تكون الحال واحدة .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 384
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٣٨٤