الواجب عليه فيما يأتيه من الندم ، أن يكون مطابقا لعلمه ، فإذا لم يعلم وقوع القبيح منه بعينه ، فيجب أن يكون الندم على جهة القطع لا يحسن ، فأما إذا ندم على ما لم يفعله بظنه ، فالندم كالمشروط ، وهو ندم لا متعلق له ، وذلك لا يمتنع في الندم كما لا يمتنع في الاعتقاد والعلم . والقول في توبة من لم يفعل الواجب ، كالقول في فاعل القبيح ، في الوجوه التي ذكرناها ، وكذلك إذا تاب من الأمرين ، فالحال واحد في المسائل التي بيناها .
فصل في دواعي الفعل والترك ، وما يتفقان فيه ويختلفان ، عند اتفاقهما واختلافهما
اعلم أن للقادر أحوالا ثلاثة ؛ أحدها : أن يفعل للداعي . والثاني : أن يترك الفعل له . والثالث : ألا يفعل الفعل لأجله . وكل ذلك إنما يجب في العالم المميز القاصد ، لأن الفعل قد يقع من القادر مع فقد الداعي ، / فلولا صحة ذلك ، لما صح الفعل من الساهي والنائم ، ولما صح أن يقع من القادر ما لا يخطر له على بال .
وقد بيّنا في غير موضع من الكتاب ، أن الفعل لو لم يصح وقوعه من القادر إلّا بداع ، لبطل تعلق صحته بكونه قادرا ، فأما إذا كان عالما ، فإنه مؤثر لفعل على فعل ، فلا بد من داع ، ولسنا نعنى بذلك ، قادرا يدعوه إلى الفعل ، لأن ذلك لو وجب لأدى إلى ما لا نهاية له ، إن دعا القادر فعل من الأفعال ، وإنما نعنى ما لأجله يختار الفعل ويؤثره .
واعلم أنه قد يختار الفعل لحسنه ، ولأنه نفع ، أو فيه نفع ، أو يؤدى إلى نفع ، أو لأنه دفع ضرر ، أو يؤدى إلى ذلك . وقد يختاره لظن ذلك واعتقاده فيه بعض ما ذكرناه من الوجوه ، لأنا قد بينا أن المعتبر بالداعي ما عليه الفاعل ،