وبعد ، فإن الغرض بالترك الثواب ، لأنه الوجه الّذي حسن من القديم تعالى الإيجاب لأجله ، فلا يمتنع أن يترك القبيح للوجوه التي لها في الثواب مدخل .
ولذلك قلنا في كثير من تروك القبائح ، وفي كثير من الطاعات : إنها متى وقعت على سبيل التقرب والخضوع ، فلذلك استحق به الثواب ، وإذا لم يقع كذلك لم يستحق بها الثواب أصلا . وليس كذلك حال التوبة ، لأنها تجب لإزالة العقاب .
فلا بد من أن يطابق في تعلقها الوجه الّذي له حصل العقاب ، وذلك الوجه ليس إلا كون الفعل قبيحا ، على ما قدمنا القول فيه .
وربما سألوا عن هذا السؤال بذكر الطاعة والواجب ، بأن يقولوا : إذا صح أن يفعل الواجب لوجوبه ، وعظم ثوابه ، ولكثرة الدواعي أو الوجوه التي يجب لأجلها ، فهلا جاز مثله في التوبة ؟ لأن التوبة من الأفعال الواجبة ، ومن الطاعات ، فيجب أن يعتبر في هذه القضية بها .
وما قدمناه يسقط ذلك ، وليس سقوطه أنه قد يصح أن يفعل / أحد الواجبين وهو مقيم على الإخلال بواجب آخر ، وإن اشتركا في سائر الوجوه التي لها فعل ما فعله من الواجب . فيجب على هذا الوجه أن تجوزوا في التوبة أن يندم على القبيح لقبحه ، وغيره من الوجوه ، وهو مقيم على ما شاركه في سائر ما ندم عليه لأجله . وهذا مما لا يجوّزه من خالفنا في هذا الباب . وإنما يحق ذلك من لا مدخل له في هذا الشأن ، كالغرّام وغيرهم ، ممن يقول إن القول باللسان هو التوبة ، ولا معتبر بقولهم في هذا الباب .
وبعد ، فإن بر الوالد وطاعته ، نصح مع الإخلال بما هو مثله في سائر الوجوه ، ولا يصح مثل ذلك في الاعتذار ، إزالته من الإساءات ، فكما لم يجب حمل الاعتذار على طاعته ، وما يجب من بره ، فكذلك القول في التوبة .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 365
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٣٦٥